إذا اعتبرنا وقت انعقاد العقد هو الوقت الذي يصدر فيه القبول، فإن مكان انعقاد العقد هو الذي يوجد فيه القابل. وإذا اعتبرنا وقت انعقاد العقد هو الوقت الذي يعلم فيه الموجب بالقبول، فإن المكان هو الذي يوجد فيه الموجب.
فإذا عوَّلنا على وقت صدور القبول ووقفنا عنده أخذنا بمذهب إعلان القبول، وإذا ذهبنا إلى أبعد من ذلك وأخذنا بالوقت الذي يخرج فيه القبول من يد القابل في طريقه إلى الموجب، أخذنا بمذهب تصدير القبول، وإذا عوَّلنا على وقت العلم بالقبول ووقفنا عنده أخذنا بمذهب العلم بالقبول، وإذا اكتفينا بالوقت الذي يصل فيه القبول، أخذنا بمذهب استلام القبول، فهذه المذاهب الأربعة عند القانونيين [1] ، ولكل منها أنصار ومؤيدون.
أما الفقه الإسلامي، فإن النصوص الفقهية تدل على أن الفقهاء - رحمهم الله تعالى - اعتبروا أن وقت انعقاد العقد هو الوقت الذي يصدر فيه القبول، وأن مكان انعقاد العقد ومجلسه هو المكان الذي يوجد فيه القابل، ومن تلك النصوص الفقهية: ما جاء في بدائع الصنائع: =أما الرسالة فهي: أن يرسل رسولًا إلى رجل، ويقول للرسول: إني بعت عبدي هذا من فلان الغائب بكذا، فاذهب إليه، وقل له: إن فلانًا أرسلني إليك ... ، فذهب الرسول وبلغ الرسالة، فقال المشتري في مجلسه ذلك: قبلت، انعقد البيع.
وأما الكتابة فهي أن يكتب الرجل إلى الرجل: أما بعد، فقد بعت عبدي فلانًا منك بكذا، فبلغه الكتاب، فقال في مجلسه: اشتريت؛ لأن خطاب الغائب كتابه، فكأنه حضر بنفسه وخاطب بالإيجاب وقبل الآخر في المجلس+ [2] .
وفي الهداية: =والكتابة كالخطاب، وكذا الإرسال، حتى اعتبر مجلس بلوغ الخطاب، وأداء الرسالة+ [3] .
وفي درر الحكام: =إذا قال في مجلس بلوغ الكتاب أو الرسالة اشتريته به، أو قبلته، تمَّ البيع بينهما؛ لأن الكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر+ [4] .
وفي روضة الطالبين: =وإذا قبل المكتوب إليه، ثبت له خيار المجلس مادام في مجلس القبول+ [5] .
وفي كشاف القناع عن متن الإقناع: = (وإن كان) المشتري (غائبًا عن المجلس، فكاتبه) البائع (أو راسله: إني بعتك) داري بكذا ... (فلما بلغه) أي المشتري (الخبر، قبل) البيع (صح) العقد+ [6] .
(1) انظر: د. عبدالرزاق السنهوري، مرجع سابق (ص 293) ، ود. عبدالمنعم فرج الصدة، نظرية العقد في قوانين البلاد العربية، دار النهضة العربية، بيروت، ط 1974 م، (ص 154، 155) .
(2) علاء الدين الكاساني، مرجع سابق (5/ 138) .
(3) برهان الدين علي بن أبي بكر المرغيناني، مرجع سابق (3/ 21) .
(4) منلا خسرو الحنفي، درر الحكام في شرح غرر الأحكام، ط سنة 1329 هـ مطبعة أحمد كامل (2/ 144) .
(5) محيي الدين النووي، روضة الطالبين (3/ 339) .
(6) منصور البهوتي، مرجع سابق (3/ 148) .