فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 89

وقد دل عليه الكتاب بقوله تعالى: {لا تأكُلُوا أموالَكُم بينَكُم بالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تجارةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ} [1] ، وهذا متحقق في إجراء العقد بالصوت المباشر عبر الإنترنت، حيث إن التعبير يتم من خلال اللفظ الذي هو محل اتفاق بين الفقهاء، وما الإنترنت إلا وسيلة من وسائل توصيل الصوت، وليس وسيلة جديدة للتعبير عن الإرادة، فالقاعدة الأساسية في العقود هي تحقيق الرضا للطرفين، والتعبير عنه، وإظهاره بأي وسيلة مفهومة [2] .

ولأن العرف له دور أساس في باب العقود، إذ إن له دورًا في تحديد كيفية البيع وغيره من العقود التجارية، وصحة انعقادها، مادام أنه لم يرد في ذلك نص.

يقول ابن نجيم - رحمه الله: =واعلم أن اعتبار العادة والعرف يرجع إليه في الفقه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلًا، فقالوا في باب ما تترك به الحقيقة: تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة+ [3] . ويقول الدسوقي - رحمه الله: =والحاصل أن المطلوب في انعقاد البيع ما يدل على الرضا عرفًا+ [4] . ويقول النووي - رحمه الله: =ولم يثبت في الشرع لفظ له - أي للبيع - فوجب الرجوع إلى العرف، فكل ما عدَّه الناس بيعًا كان بيعًا .. + [5] . ويقول ابن قدامة - رحمه الله: =إن الله أحل البيع، ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف+ [6] . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: =فإذا لم يكن له - أي للبيع ونحوه - حد في الشرع، ولا في اللغة، كان المرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم، فما سموه بيعًا؛ فهو بيع، وما سموه هبة فهو هبة ... + [7] . وإذا كان العرف يتبع والعادة تحكم في المعاوضات والمعاملات والتخاطب بالهاتف عبر الإنترنت، وسماع صوت كل طرف للآخر بين الناس والأفراد والشركات والمؤسسات، جرت به العادة، وأصبح من الأعراف السائدة التي تترتب عليها آثارها الأدبية والمالية، حقوقًا والتزامات، وليس هناك ما يعارض هذا العرف والعادة من نصوص الكتاب والسنة، أو قواطع الدين وثوابته وضوابط الشريعة، بل إن هذا العرف مساير للمقاصد الشرعية المتصلة بتيسير التعامل وتسريعه، وبجلب المنافع وتبادلها، وإيصال الحقوق إلى أصحابها، وعدم الاعتداء أو الظلم والغبن والغرر والتدليس، وغير ذلك مما يبطل العقود ويفسدها [8] ، والإنترنت آلة معتبرة عرفًا لتوصيل لفظ المتعاقد إلى سمع الآخر، فيكون إجراء العقود التجارة الإلكترونية من خلاله صحيح شرعًا [9] .

(1) سورة النساء، الآية: 29.

(2) انظر: د. علي القره داغي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، مرجع سابق (2/ 929، 930) .

(3) زين العابدين ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ط 1400 هـ، دار الكتب العلمية، بيروت (ص 93) .

(4) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، مرجع سابق (3/ 4) .

(5) المجموع، مرجع سابق (9/ 163) .

(6) المغني، مرجع سابق (6/ 8) .

(7) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، مرجع سابق (29/ 16) .

(8) انظر: د. نور الدين الخادمي، مرجع سابق (ص 354) .

(9) انظر: د. علي القره داغي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، مرجع سابق (2/ 931) ، ود. عبدالرزاق الهيتي (ص 19) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت