فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 89

خلاله عن الكلام بدون واسطة سوى عدم رؤية أحدهما الآخر ووجود فاصل بينهما، فإذا أجري عقد من عقود التجارة الإلكترونية بهذه الطريقة، وتم فيه الإيجاب والقبول واستوفى باقي الشروط المطلوبة، فإنه يكون عقدًا صحيحًا، لأن عدم رؤية أحدهما الآخر ليس له علاقة بصحة العقود أو عدمها، إذ إن المطلوب في باب العقود سماع الإيجاب والقبول، أو التقاؤهما، أو إدراكهما بأية وسيلة كانت [1] .

ويؤيد هذا أن الفقهاء - رحمهم الله تعالى - ذكروا مسائل تلحق بها هذه المسألة، ومما ورد عنهم: قول النووي - رحمه الله - في كتابه المجموع: =لو تناديا وهما متباعدان، وتبايعا، صح البيع بلا خلاف+ [2] ، ونقل الخطيب الشربيني - رحمه الله - عن بعض فقهاء الشافعية في مغني المحتاج: =ولو تناديا بالبيع من بُعد ثبت لهما الخيار وامتد ما لم يفارق أحدهما مكانه+ [3] .

فهذان النصان صريحان في صحة إبرام العقد بين المتباعدين، ويمكن الاعتماد عليهما في القول بصحة العقد التجاري المبرم من خلال الصوت المباشر عبر الإنترنت بين المتعاقدين.

وقول الرافعي - رحمه الله - في العزيز نقلًا عن بعض الشافعية: =لو قال: بعت من فلان وهو غائب، فلما بلغه الخبر قال: قبلت، ينعقد البيع، لأن النطق أقوى من الكتابة+ [4] .

وهذا النص يدل على وجود الفاصل المكاني بين المتعاقدين والزماني بين صدور الإيجاب وقبوله.

وقول ابن قدامة - رحمه الله - في المغني: =ولو أقاما في المجلس (مجلس العقد) وسدلا بينهما سترًا، أو بنيا بينهما حاجزًا ... فالخيار بحاله+ [5] .

وقول النووي - رحمه الله - في المجموع: =قال أصحابنا: فلو لم يتفرقا، ولكن جُعل بينهما حائل من ستر أو نحوه، أو شق بينهما نهر؛ لم يحصل التفرق بلا خلاف+ ... وقال الروياني: لا إن جُعل بينها حائط أو غيره لم يحصل التفرق؛ لأنهما لم يفترقا، ولأنهما لو غمضا أعينهما لم يحصل التفرق+ [6] .

وقول النووي في الروضة: =ولا يحصل التفرق ببناء جدار بينهما من طين أو جص على الأصح+ [7] .

حيث دلت هذه النصوص الفقهية على أن عدم رؤية أحد المتعاقدين للآخر لا تؤثر على إبرام العقد وصحته [8] .

ولأن الأساس في صحة العقود هو تحقيق الرضا بصدور ما يدل عليه بصورة واضحة مفهومة،

(1) د. علي القره داغي، بحث حكم إجراء العقود، مرجع سابق (2/ 929) .

(2) المجموع شرح المهذب، مرجع سابق (9/ 181) .

(3) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، مرجع سابق (2/ 45) .

(4) العزيز شرح الوجيز، دار الكتب العلمية، بيروت، ط أولى 1417 هـ، مرجع سابق (4/ 13) .

(5) المغني، مرجع سابق (6/ 13) .

(6) المجموع، مرجع سابق (9/ 181) .

(7) روضة الطالبين وعمدة المفتين، مرجع سابق (3/ 438) .

(8) وإن خالف في ذلك بعض الفقهاء، ورأوا عدم جواز المناداة من بعيد أو من وراء جدار، فإنه يرد عليه بما سيأتي في المتن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت