القول الثاني: اعتبار الكتابة وسيلة من وسائل الإثبات، وهو ما ذهب إليه المالكية [1] والإمام أحمد في رواية [2] ، وبعض أهل العلم قديمًا وحديثًا [3] . ومن أدلتهم:
1 -قوله تعالى: {يا أيُّهَا الذينَ آمَنُوا إذَا تَدايَنْتُم بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسمَّى فاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بالعَدْلِ ولا يَابَ كَاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله فَلْيَكْتُبَ} .
وجه الدلالة: أن الآية الكريمة أمرت بالكتابة، واعتبرتها وثيقة في المعاملات، وفائدة الوثيقة هي الاعتماد عليها عند الإنكار أو الجحود، والاحتجاج بها أمام القضاء، فالكتابة أو الخط حجة ودليل في المعاملات المالية وغيرها، وإلا فلا معنى للأمر بها.
2 -أن الرسول ^ استعمل الكتابة في جميع المجالات، فكانت وسيلة لتبليغ الرسالة، وكتابة الأحكام الشرعية، وفي المعاهدات والذمة والصلح والأمان، وفي الإقطاع، وفي المعاملات كالبيع، ومع الأمراء في البلدان البعيدة، ككتاب عمرو بن حزم رضي الله عنه، وأمره بالكتابة في الوصية، وغير ذلك، ولو ذهبنا لاستقصاء ذلك لطال بنا المقام [4] .
3 -أن الصحابة - رضي الله عنهم - اعتمدوا على الكتابة، بل نُقل إجماعهم على العمل بالخط، وأما من بعدهم فيدل على عملهم بالخط إجماعهم الفعلي على الاحتجاج بذلك والعمل به في معاملاتهم وفي المصنفات وفي نقل الشريعة، وعملهم بالوجادة التي صرحوا بقبولها.
4 -أن الكتاب كالخطاب، والخط كاللفظ في التعبير عن الإرادة وإظهار النية، وتمتاز الكتابة عن اللفظ بالثبات والضبط، ولهذا فإن الكتابة الظاهرة المعنونة تكون حجة على صاحبها بما ثبت فيها [5] .
الترجيح: الذي يظهر للباحث رجحان القول باعتبار الكتابة وسيلة من وسائل الإثبات، لقوة أدلته، ولحاجة الناس إلى استعمال الكتابة، ولشيوعها وتوسع استخدامها في العقود والتوثيق وبخاصة مع سهولة الاتصال بين الدول والناس وبعد المسافات واتساع التجارة وكثرة الاختلافات.
ومما يقوي هذا القول تطور العلم وكشفه للتزوير وطرقه في الكتابة والخطوط والرسوم والتصوير
(1) انظر: ابن فرحون، تبصرة الحكام (1/ 284 - 293) .
(2) انظر: ابن القيم، الطرق الحكمية (ص 204) .
(3) ومنهم ابن القيم، وابن فرحون، ومحمد صديق حسن خان، وأحمد إبراهيم بك، ود. أحمد الحصري، ود. محمد الزحيلي، انظر المصادر السابقة آنفًا لهم، وظفر اللاضي بما يجب في القضاء على القاضي لمحمد صديق حسن خان، المكتبة السلفية، لاهور، باكستان، ط أولى 1402 هـ (ص 130، 131) ، وأدلة الإثبات في الفقه الحنفي، للدكتور الحصري، مكتبة الكليات الأزهرية ط 1418 هـ (ص 44) .
(4) ومما ورد في ذلك: كتاب الرسول ^ لسراقة بن مالك، صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ^ (4/ 257) ، وكتاب رسول الله ^ لكسرى، صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب كتاب النبي ^ إلى كسرى وقيصر (5/ 136) ، والأمر بكتابة الوصية، صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب الوصايا (3/ 186) ، وكتاب عقد بيع بين الرسول ^ والعداء بن خالد، صحيح البخاري تعليقًا، كتاب البيوع، باب إذا بين البائعان (3/ 10) .
(5) انظر: ابن القيم، الطرق الحكمية (ص 206، 207) ، ومحمد صديق خان، ظفر اللاضي (ص 130، 131) ، وأحمد إبراهيم، طرق الإثبات (ص 56 - 64) ، ود. محمد الزحيلي، وسائل الإثبات (ص 425 فما بعدها) .