2 ـ الخضوع الناشئ عن خوف العقاب ورجاء الثواب.
ـ فالغرض من هذا الكتاب هو بيان لكيفية تحقيق خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع لله تعالى لأن ذلك هو أصل الدين، ولأن هذه الأمور الخمسة تحولت عند بعض المسلمين إلى عبارات محفوظة مقدسة وليست مشاعر حقيقية يحس بها الإنسان في داخله، وبالتالي وقعوا في النفاق الأكبر رغم أنهم يدعون وجود هذه المشاعر الخمسة في أنفسهم، وهي في الحقيقة أصبحت مفرغة من معناها.
ـ ولإيجاد هذه المشاعر الخمسة لابد من وجود موجبات هذه المشاعر، وهي اليقين الحقيقي بالله والآخرة.
ـ ولإيجاد اليقين الحقيقي بالله والآخرة لابد أن يكون الإنسان حيا يفقه حقيقة ما حوله، لذلك فالبداية تبدأ من هنا، فإذا كان الإنسان حيا تحقق الإيمان بالضرورة ودخل الإنسان الجنة، وإذا لم يكن الإنسان حيا كان مخلدا في النار.
ـ فإذا وجدت هذه المشاعر الخمسة أدت تلقائيا إلى الطاعات وترك والمعاصي وجعلت الإنسان يعيش حياته كلها لله.
ـ كما أن اليقين بالله إذا لم يؤدي إلى هذه المشاعر الخمسة فهو يقين نظري وليس يقينا حقيقيا، أما اليقين الحقيقي فهو الذي يؤدي إلى هذه المشاعر الخمسة، لأن توحيد الربوبية والأسماء والصفات يستلزم توحيد الألوهية، ومن توحيد الألوهية هذه المشاعر الخمسة، ولأنه بالفطرة من عرف الله خاف من مهابته وأحبه وخاف عقابه ورجا ثوابه وخضع له.
ـ قد يطلق على خوف المهابة بالتعظيم، وعلى الخضوع الناشئ عن خوف المهابة بخضوع التعظيم، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته وكمال الذل ونهايته فالمحبوب الذي لا يعظم ولا يذل له لا يكون معبودا والمعظم الذي لا يحب لا يكون معبودا ) ) [1] .
ـ أصل الدين هو الخضوع:
ـ والخضوع أربعة أنواع هي الخضوع خوفا من مهابة الله والخضوع حبا لله والخضوع خوفا من عقاب الله والخضوع رجاءا في ثواب الله تعالى، وأصل الخضوع هو الخضوع خوفا من مهابة الله، وهو ينشأ من الخوف من مهابة الله، فمن عرف الله خاف عظمته: (( وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ) ) [2] والمقصود بالتخويف الخوف من مهابة الله لأن الآيات جاءت لمعرفة الله، ومن عرف الله خاف من مهابته فقال تعالى: (( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) ) [3] ، فالإنسان إما مؤمن أي خاضع، وإما مستكبر، ففي تفسير البغوي: (( {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا} تكبروا عن الإيمان بها، وإنما ذكر الاستكبار لأن كل مكذب وكافر متكبر، قال الله تعالى"إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون") ) [4] .
ـ الأدلة على أن غياب خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع نفاق أكبر:
ـ إن الشيء الذي لا تخافه ولا ترجوه ولا تحبه ولا تكرهه ولا تشعر تجاهه بأي شيء هو شيء لا قيمة له أو هو شيء له قيمة ولكنك فاقد الإحساس بالقيمة، وعدم وجود الإحساس بالقيمة هو موت القلب وهو نفاق أكبر وطبع على القلب (كما سبق أن ذكرنا في الفصل الأول) ، كما أن عدم الشعور بأي شيء تجاه الغيبيات معناه الغفلة والإعراض القلبي وإهمال الغيبيات، ففي تفسير اللباب: (( {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن} أي يُعْرِض عن القرآن، وقيل: يُعرض عن الله، فلم يخفْ عقابه ولم يرجُ ثَوَابَه ) ) [5] .
ـ فالإنسان الذي لا يشعر إطلاقا بألم الخوف من مهابة النار أو بلذة الشوق إلى الجنة هو في حقيقة أمره لا يعرف شيء اسمه النار ولا شيء اسمه الجنة، وبالتالي فهو لا يؤمن إيمانا حقيقيا بالنار والجنة، فهي في مشاعره أمور مثل الأمور التي لا تنفع ولا تضر فيقتنع بها فقط نظريا وليس يشعر بها، فهو بذلك قد سلب خاصية الألم من النار وخاصية اللذة من الجنة فأصبحت أمور نظرية لا قيمة لها، وكذلك إذا لم يشعر إطلاقا بشيء من ألم الخوف من مهابة الله أو شيء من لذة الحب لله فهو لا يعرف كلمة (الله) وبالتالي فهو لا يؤمن إيمانا حقيقيا بالله، وإن كانت كلمات (الله) و (النار) و (الجنة) موجودة في الاقتناع واليقين التام لكنه يقين نظري، ولكنها غير موجودة في شعور الإنسان (غياب الإحساس بالقيمة لها) ، ولم تتأثر بها مشاعره وهمومه وأهدافه وأمانيه.
(1) أمراض القلب وشفاؤها - (1/ 90)
(2) الإسراء: 59
(3) فاطر: 28
(4) تفسير البغوي - (ج 3 / ص 227)
(5) تفسير اللباب لابن عادل - (ج 14 / ص 128)