ولا تحزن [العنكبوت: 33] يريد أنه لا عظمة لهم وقال {إنا نخاف من ربنا يومًا} [الإنسان: 10] لأن عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله هينة )) [1] .
ـ وفي تفسير الرازي: (( {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} الآية. واعلم أن هذه الآية تدل على أن الإيمان لا يحصل إلا عند حصول أمور خمسة: الأول: قوله: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} ... والمراد أن المؤمن إنما يكون مؤمنًا إذا كان خائفًا من الله، ونظيره قوله تعالى: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} (الزمر: 23) وقوله: {الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} (المؤمنون: 57) وقوله: {الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (المؤمنون: 2) وقال أصحاب الحقائق: الخوف على قسمين: خوف العقاب، وخوف العظمة والجلال. أما خوف العقاب فهو للعصاة، وأما خوف الجلال والعظمة فهو لا يزول عن قلب أحد من المخلوقين، سواء كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا، وذلك لأنه تعالى غني لذاته عن كل الموجودات، وما سواه من الموجودات فمحتاجون إليه، والمحتاج إذا حضر عند الملك الغني يهابه ويخافه، وليست تلك الهيبة من العقاب، بل مجرد علمه بكونه غنيًا عنه، وكونه محتاجًا إليه يوجب تلك المهابة )) [2] ، وفي تفسير الرازي أيضا: (( قال العارفون: الخوف خوفان خوف العقاب وخوف الجلال، والأول: نصيب أهل الظاهر، والثاني: نصيب أهل القلب، والأول: يزول، والثاني: لا يزول ) ) [3] .
ـ وفي تفسير النيسابوري: (( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أمر اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ(21) .... الخشية نوعان: خشية الجلال كالعبد إذا حضر بين يدي السلطان ومن ذلك خشية الملائكة {يخافون ربهم من فوقهم} {النحل: 50] وإلى هذا أشار بقوله: ويخشون ربهم} ، وخشية أن يقع في العبادة خلل أو نقص يوجب فسادها أو نقصان ثوابها. وإليه الإشارة بقوله: {ويخافون سوء الحساب} )) [4] .
ـ معنى خوف المهابة يتضح من الحديث: (( أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فكلمه فجعل ترعد فرائصه فقال له هون عليك فإني لست بملك إنما أنا بن امرأة تأكل القديد ) ) [5] .
ـ والرسل جاءت لتنذر الناس، والإنذار معناه التخويف: (( وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ) ) [6] .
ـ لماذا يخاف الرسول (ص) والعشرة المبشرون بالجنة من الله رغم علمهم من خلال الوحي أنهم من أهل الجنة؟:
ـ هذا الخوف هو خوف مهابة وإجلال، وذلك مثلما كانت الملائكة تخاف الله رغم أنهم معصومون ففي تفسير الرازي: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ذلك الخوف خوف الإجلال هكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما، والدليل على صحته قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [فاطر: 28] وهذا يدل على أنه كلما كانت معرفة الله تعالى أتم، كان الخوف منه أعظم، وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والكبرياء )) [7] .
ـ إن الضعيف يخاف من القوى ويخضع له، وحتى لو لم يفعل شيئا يغضبه فهو يخاف لمجرد أنه ضعيف والآخر قوي فلا يأمن مكره، ويشعر باستكانة وأنه مغلوب على أمره (شعور بالخضوع) ، فكذلك الحال مع الله تعالى، الخوف من عظمته، فالله غالب على أمره ولا يأمن مكره إلا القوم الكافرون لغفلتهم عن قوة الله وضعفهم، وفي تفسير البغوي: (( مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا قال ابن عباس ومجاهد: لا ترون لله عظمة، وقال سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته، وقال الكلبي: لا تخافون الله حق عظمته، و"الرجاء"بمعنى الخوف، و"الوقار"العظمة اسم من التوقير وهو التعظيم ) ) [8] .
ـ اليقين الحقيقي بقدرة الله وضعف الإنسان يؤدي إلى الخوف والرهبة:
ـ لو سمعت أن رجلا خارقا يستطيع أن ينقل الجبال أو يستطيع أن يبيد الناس في لحظة أو الخ، بماذا تشعر؟، إنك تشعر بالهيبة والخشية والرهبة، فان الله يستطيع ما هو أعظم من ذلك (( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ) ) [9] ، ويستطيع أن يبيد كل البشرية في أقل من لحظة، فلماذا لا تشعر بنفس الشعور السابق؟، وإذا كنت تدعي أنك تشعر بالهيبة والرهبة من الله ففي الحالة الأولى كانت هناك حالة نفسية وانفعالات داخلية مميزة للشعور بالرهبة والهيبة، فهل عندك هذه الحالة النفسية؟، أم أنه مجرد إدعاء واقتناع بأن عندك الهيبة والرهبة والتعظيم لله؟!.
(1) تفسير النيسابوري - (ج 7 / ص 57، 58)
(2) تفسير الرازي: دار إحياء التراث-ـ موافق للمطبوع - (1/ 2121)
(3) تفسير الرازي - (ج 2 / ص 64)
(4) تفسير النيسابوري - (ج 4 / ص 425)
(5) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجة ج: 2، ص: 1101، برقم: 3312)
(6) الإسراء: من الآية 59
(7) تفسير الرازي - (ج 9 / ص 400، 401)
(8) تفسير البغوي - (ج 8 / ص 231)
(9) طه: 105