فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 166

ـ فمثلا رغم اليقين النظري التام بأن الآخرة هي حياتنا ومصيرنا، لكننا لا نقبل أن نلغي هذه الحياة الدنيوية فنعيش حياة المسافر الذي يستعد للرحيل، فنحن نهرب من هذه الحقيقة ونعيش كأن الكرة الأرضية هي دار إقامتنا وحياتنا، فرغم اليقين النظري التام بالآخرة إلا أننا نهرب منها ونتغافل عنها ونتجاهلها.

ـ وكذلك فالله هو الخالق المسيطر علينا، ورغم اليقين النظري التام بذلك لكننا لا نقبل أن نعيش حياة الذل والاستسلام ولا نقبل أن نعيش معيشة العبيد فنحن نعيش لأنفسنا ولا نقبل أن نعيش حياتنا من أجل أحد غيرنا، فنحن نهرب ونتغافل عن الله.

ـ فإذا كشفنا عما في قلوبنا وجدنا عدم القبول (الاستكبار) لأن نكون عبيدا أو نعيش تحت أسر الآخرة والإعداد لها ولكننا نخفي هذا الاستكبار في صورة تغافل كأننا لم نسمع عن الأمر.

ـ إن النفس مجبولة على حب الشهوات والسعادة وما فيه الراحة واللذة وتكره الذلة والانكسار والخضوع لأي أحد أو أي شيء لأن في ذلك ألم لها، لذلك فالنفس لا تحب الخضوع لله والدين فتريد أن تتحرر من ذلك، فالنفس من داخلها تتكبر وتأبى أن تستسلم: (( إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ) ) [1] ، ومن أثر ذلك أن النفس قد تجد اللذة في المعصية لمجرد أنها ضد الدين، خاصة لو كانت ذنبا كبيرا لشعورها أنها تتحرر من قيد الخضوع للدين، ولاحظ أن أصل ذلك ناشئ من عدم الشعور بحقيقة ضآلة النفس، فالإنسان القوي يرفض أن يخضع لإنسان قوي مثله أو أضعف منه، وكذلك الإنسان الضعيف المخدوع في نفسه ويظن أنه قوي يرفض الخضوع لإنسان أقوي منه لأنه يظن أنه مثله أو أضعف منه، فالإنسان ضعيف لكنه مخدوع يظن أنه قوى وأن ما عنده من مال وصحة وممتلكات هي ملك له، كما أنه يتجاهل قوة الله كأنه ليس بقوي أو ليس بأقوى منه فيرفض الخضوع، أما الإنسان الذي يشعر بضعفه وبقوة الله فإنه يرى أن خضوعه لله هو أمر طبيعي، فيشعر فيه بألم لأنه خضوع الضعيف مخافة من القوى، كما يشعر فيه بلذة لأنه خضوع الضعيف الذي يحتاج إلى القوى سواء لمجرد انتسابه إليه فهو خاضع لقوى عابد له ففي ذلك عزة للضعيف وفخر وشرف في انتسابه إلى الله (الخضوع حبا) ، أو لاحتياجه إلى الله ليمده بما يحتاجه (الخضوع رجاءا) ، وهذه اللذة هي لذة التوكل.

ـ أنواع الخضوع:

ـ الإنسان عندما يجد رجلا قويا، فإما أن يكون مواليا له أو معاديا له وحيث أنه لا يستطيع مواجهته لقوته فإنه يواليه خوفا من قوته، فهذا خضوع خوفا من العقاب، وليستمد منه القوة والحماية والإنعام، فهذا خضوع رجاءا في الثواب، وهو يواليه وينتمي إليه وينسب نفسه إليه ويؤيده لينال العزة والشرف بانتسابه إليه، فهذا خضوع انتماء حبا له وإعجابا بصفاته، وهو يواليه احتراما له وتقديرا لمدى قدرته وتوقيرا له وتعظيما له وهيبة له لأنه جدير بالتوقير والتعظيم ومستحق لذلك، فهذا خضوع خوفا من مهابته.

ـ لهذه الأسباب الأربعة فالإنسان يحب أن يعمل عند الله عبدا له خاضعا له.

ـ مفهوم الخضوع:

ـ معنى كلمة (إله) أي هو من تعيش حياتك خاضعا له خوفا من مهابته وحبا له، ولذلك من أهم الطاعات المميزة لكلمة (إله) هي الركوع والسجود، فالكفار كانوا يركعون ويسجدون لأصنامهم، والركوع والسجود لله لابد أن يكون ناشئا عن ركوع المشاعر وسجودها وخضوعها وخشوعها لله، وإلا لا يقبل الركوع والسجود، ولو عاش الإنسان طول عمره بغير أن يشعر بالخضوع لله فقد أضاع صلاته وأحبط أعماله ففي الحديث: (( إن الرجل ليصلي ستين سنة وما تقبل له صلاة ولعله يتم الركوع ولا يتم السجود ويتم السجود ولا يتم الركوع ) ) [2] .

ـ الخضوع والذل هو ركوع المشاعر وسجودها، وهو أصل معني العبودية في اللغة، والخضوع يعني الاستسلام ويمكن اشتقاقه من كلمة الإسلام بمعني الاستسلام أي إسلام النفس وكل ما تملك إلى مالكها الحقيقي هو الله سبحانه، أى التجرد من كل ما تملك لتنسبه إلى مالكه الحقيقي وهو الله سبحانه، لذلك هو أصعب شعور علي النفس، فأنت مستسلم مغلوب علي أمرك من الله والله غالب علي أمره، والخضوع والذل معناه أن تعيش مرهونا بعطائه فمن غيره تموت، ذليلا لعطائه محتاجا لعطائه، فبغير عطاءه ونعمه لا تستطيع أن تتنفس، فالنفس والهواء نعمة، فأنت عبد إحسانه خاضع لما يجود به عليك، وكما يقولون فالإنسان أسير الإحسان، والخضوع والذل معناه اليقين الحقيقي بأن الله لا يسأل عما يفعل (( لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) ) [3] ، فالله أراد أن يخلق الكون والناس والآخرة بما أراد وكيف أراد، ولا يسأل لماذا؟، فلا يحاسبه أحد، فالشعور بالتسليم بدون السؤال: (لماذا؟) يعني الشعور بالخضوع، كما أن الشعور بالخضوع معناه الشعور بأن كل الأمور وكل شيء يخضع لهيمنة الله وسيطرته خضوعا كاملا وسيطرة كاملة، فأنت وكل شيء خاضع لهيمنة الله وسيطرته الكاملة، كما أن الشعور بالخضوع معناه الشعور بالرضا بما أراد الله وقدر لكل واحد من رزق وأجل، ومما يحدث في حياته وبعد موته،

(1) غافر: من الآية56

(2) حديث صحيح (السلسلة الصحيحة ج: 6، ص: 81، برقم: 2535)

(3) الأنبياء: 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت