فهرس الكتاب
والله لا يسأل عما يفعل ولا يحاسبه أحد، لماذا هذا ولماذا هذا؟، كما أن الله هو الذي خلق عقولنا وأفهامنا التي نفهم بها وخلق الأسباب التي نفهم بها، والله فوق الأسباب والناس مقهورون تحت سلطانه، ولا يفهمون إلا ما أفهمهم الله، ولا يعلمون إلا ما علمهم الله، فمَنْ لم يشعر بكمال الخضوع والاستسلام لله، فهو لا يشعر بالرضا بسلطان الله علي كل شيء وتحكمه في كل شيء وهيمنته علي كل شيء وأي شيء.
ـ إن الشعور بهيمنة الله تعالى على كل شيء يؤدي إلى أن يخضع العقل والقلب لله، فمقياس الصواب والخطأ ليس العقل وإنما الله من خلال شرعه وأمره، ومقياس ما يجعل الإنسان يفرح أو يحزن هو ما وافق أو خالف أمر الله، أما مَنْ لا يشعر بالخضوع لهيمنة الله تعالي فمقياس الصواب والخطأ عنده هو عقله ورأيه فهو يعبد عقله، ومقياس ما يجعله يفرح أو يحزن هو شهواته ودنياه فهو يعبد هواه: (( أَرَأيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأنت تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [1] .
ـ كيف يتحقق الشعور بالخضوع:
ـ لابد أن تشعر بأنك عاري من كل شيء ومحتاج إلى غيرك أي أنك أولا تنفي كل شيء من نفسك وثانيا تثبت وتنسب كل شيء لله، أي الرضا بأن الله له كل شيء، وأنك جزءا من ملكه وهو يقوم بأمرك، وأنك ذليل إلى الله محتاج إليه، فالمشكلة هي عدم وجود اليقين الحقيقي بأن الله هو المالك لكل شيء حتى النفس الذي تتنفسه، وأنت محتاج إليه فمن غيره تموت وتهلك، فطالما أن الإنسان يظن أن ما عنده من قوة ومال وقدرات مادية ومعنوية وصحة وهواء .... الخ هي ملكا له، فلن يشعر بالحاجة إلى الله ليعطيه هذه الأشياء، ويقول الدكتور مجدي الهلالي: [[إن السبب الرئيسي لعدم إيمان الكثير من الناس بالله ـ عز وجل ـ وعدم قيامهم بحقوق عبوديتهم له، هو عدم استشعارهم حاجتهم إليه: يقول تعالى: (( كَلَّا إِنَّ الْإنسان لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) )[2] ، ففي ظنهم أنهم يمتلكون من أسباب القوة ما يجعلهم في غنى عنه ـ سبحانه ـ وعندما يستبدل حالهم من اليسر إلى العسر، ومن السعة إلى الضيق، ومن الأمن إلى الخوف والكرب، فإنهم يتجهون بكليتهم إلى الله ـ عز وجل ـ بعد أن زالت عنهم عوارض القوة، وعاشوا في حقيقة فقرهم وضعفهم، واستشعروا حاجتهم الماسة إليه سبحانه، فتراهم يعودون إليه متضرعين منكسرين مخلصين له الدين: (( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ(53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ )) [3] ، (( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) ) [4] ، ولقد كان الرسل يركزون في دعوتهم للناس على إشعارهم بحاجتهم إلى الله، فيذكرونهم بحجم النعم التي أنعم الله بها عليهم ـ سبحانه ـ]] [5] ، ومما يحقق الشعور بالخضوع أيضا اليقين الحقيقي بهيمنة الله على كل شيء والمعرفة الحقيقية بالله.
ـ الحالة النفسية للخضوع والاستسلام:
ـ اليقين الحقيقي بأن الله هو المالك يؤدي إلى الشعور بالخضوع، فمعني أن ينخلع الإنسان من كل ما يملك حتى من نفسه هو أن يكون كالميت بين يدي مغسله يفعل به ما يشاء، فيكون كالميت بين يدي الله يفعل به ما يشاء (وهذا أيضا أصل الشعور بالتوكل علي الله) ، فإن شعورك بهذه الحالة النفسية هو الذي يسمي بالخضوع وأيضا بالتوكل، فإذا كنت تدعي الخضوع أو التوكل علي الله فأين هذه الحالة النفسية؟!.
ـ والشعور بالخضوع يعني اليقين الحقيقي بضعف قدرته وعجزه أمام قدرة الله وشعور بالانكسار والتسليم وأن الإنسان واقع تحت تصرف من له القدرة عليه وخائف منه.
ـ هل يستطيع الإنسان أن يعيش لغيره أي لا يعيش من أجل نفسه هو ولكن من أجل أحدا غيره، إن الخضوع معناه أن تعيش لغيرك، وتعيش تحت سلطة وسيطرة غيرك عليك وتقبل ذلك مستسلما ذليلا خاضعا، إن المسلم يعيش لله بل ويموت أيضا لله (( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَأي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ) [6] .
ـ أنظر إلى خادمة تعمل في بيت من بيوت السادة، إن الحالة النفسية التي تشعر بها هذه الخادمة هي التي تسمي خضوع، فإذا كنت تدعي الخضوع لله فهل عندك هذه الحالة النفسية؟!.
ـ أنظر إلى الرجل الفقير المعدوم الذي يسأل الناس، بماذا يشعر؟، إنه يشعر بالخضوع والذل والحاجة إلى إنعام الناس عليه، إن الحالة النفسية التي عند هذا الرجل هي التي تسمي خضوع، فإذا كنت تدعي الخضوع لله فهل عندك هذه الحالة النفسية؟!
(1) الفرقان: 43
(2) العلق: 6، 7
(3) سورة النحل: 53 ـ 55
(4) يونس: 22
(5) الإيمان أولا ـ د. مجدي الهلالي ص: 18 (دار التوزيع والنشر الإسلامية)
(6) الأنعام:162