فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 166

، كما أنك تجد هذا الرجل يظل يدعوا لمَنْ يعطيه محبة له، وإذا كان هذا الرجل فقير إلى إنعام الناس من أموال، ومحب لما يعطونه، فكيف بك وقد أنفق عليك الله فأعطاك عينا وأعطاك الهواء الذي تتنفسه ونعما لا تحصي (والمشكلة أننا لا نشعر بنعم الله) .

ـ مثال آخر: تصور أنه تم بيعك في سوق العبيد مثلما كان يحدث في الماضي فأصبحت عبدا وخادما لسيدك، هل تقبل هذه الحال الآن وأنت في عصر الحرية؟!، هل تقبل أن تضع نفسك تحت تصرف غيرك؟!، وهل تقبل أن يتحكم فيك غيرك؟! وهل تتحمل هذه الحالة النفسية من الخضوع وطوال عمرك؟، إنك مطالب بما هو أصعب من ذلك أن تكون عبدا لسيدك ومولاك رب العالمين، فلماذا لا تشعر أنك واقع تحت سيطرة مَنْ يتحكم فيك وأنت عليك أن تقبل الخضوع والذل؟، فأنت تخضع له خضوع مَنْ شعر بأنه القهار المهيمن، وخضوع المحتاج إلى نعماءه، وتحب الذل إليه ليعطيك، كما يفعل الشحاذ حين يسأل الناس فإنه يخفض رأسه ويمد يده للناس ليعطوه، فهل تخفض رأسك وتمد يدك لله ليعطيك؟ (وذلك ليس فقط في الدعاء ولكن في مشاعرك في كل لحظة من حياتك) ، إذن أين هذه الحالة النفسية المميزة للخضوع؟.

ـ تصور أن أحدا ما رفع في وجهك سلاحا وطلب منك أن تستسلم، ماذا يكون شعورك عندئذ؟ هذا الشعور هو شعور بالهزيمة والاستسلام والانقياد، إن الحالة النفسية التي تشعر بها عندئذ هي التي تسمي خضوع واستسلام، فإذا كنت تدعي الخضوع لله، فهل عندك هذه الحالة النفسية؟ والله هو الجبار المنتقم ذو البطش المتكبر شديد العقاب سريع الحساب.

ـ تصور أن هناك أحدا ما أو شيئا ما ذو قوة قاهرة يمكن أن يقضي عليك ويزهق روحك فبماذا تشعر عندما تتعامل معه أو يأمرك بشيء؟، إن الله هو القهار الجبار الذي سوف يزهق روحك ولن تفلت منه (فهو المميت) وهو يراك الآن ولن تستطيع أن تفلت منه أو تهرب عن نظره، فلماذا لا تجد مثل هذا الشعور؟، بل إن الله هو الذي يميتك كل يوم ويحييك فأين قدرتك وقوتك وإرادتك وأنت نائم؟!، فلماذا لا تشعر بالاستسلام لمَنْ يقهرك ويقدر عليك كل يوم وكل لحظة؟، ولماذا لا تشعر أنك مقبل علي حياة أبدية؟، فالذي يحييك كل يوم سوف يحييك يوم الدين والذي يميتك كل يوم سوف يميتك ويسلب منك كل شيء، فلماذا لا تستسلم وتخضع وترضخ لله؟: (( اللَّهُ يَتَوَفَّى الآنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) ) [1] ، فالروح تخرج من الإنسان فإن عادت في الدنيا فذلك النوم وإن عادت في الآخرة فذلك الموت.

ـ ومن الخضوع أنك تشعر بأنك لست تخضع لأمر نفسك وما يمليه عليك عقلك وإرادتك وإنما وفقا لما يريده منك سيدك الذي أنت خادما عنده بل الذي أنت عبدا عنده.

ـ إذا لم تشعر بالخضوع فهذا معناه أن شعورك بأن لك ربا وإلها عظيما وشعورك بأنه المالك والعزيز والقهار والمهيمن وشعورك بالقدر كل هذا لا يكون متحققا في المشاعر وإن كان متحققا في الاقتناع النظري، لأن تحقيق ذلك في المشاعر يعني الخضوع.

ـ أهمية الشعور بالخضوع

ـ عدم الشعور بالخضوع لله معناه استكبار: (( إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ) ) [2] ، وذلك كفر استكبار، فالذي يمنع من الشعور بالخضوع لله هو خضوع الإنسان لغير الله سواء خضوعه للدنيا، أو خضوعه للشهوات أو للمال أو لأي شيء آخر، والسجود هو المميز لكلمة (إله) : (( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) ) [3] ، والمقصود بالسجود هو سجود المشاعر والشعور بالذل والخضوع، أما سجود الجوارح فهو أثر لسجود القلب بالشعور بالخضوع لله.

ـ فكلمة (الإسلام) معناها الخضوع، وبالتالي فمن شعر بالخضوع فقد أسلم ومن لم يشعر فهذا وقوع في النفاق الأكبر.

ـ أنواع الخضوع تتحقق معا:

ـ لو أن أحدا من الناس له قوة يستطيع أن يبطش بك وأخذ منك مالك وكل ما تملك فأصبحت لا تملك شيئا، وأصبحت تذل له ليعطيك لقمة تأكلها، فأنت تخضع له وأنت كاره له.

ـ ولكن لو أنك أصلا لا تملك شيئا، ثم جاء رجل غني وله قوة يستطيع أن يبطش بك وأعطاك ما تحتاجه، فأنت تخضع له وأنت محبا له، وهذا المثال على سبيل الافتراض لأن كل الناس ضعاف لا يملكون شيئا والله هو القوى والمالك.

ـ فأنت تخضع لله خوفا من مهابته لعظم قدرته الفائقة وحبا في الانتساب إليه وخوفا من عقابه ورجاءا في عطاءه.

(1) الزمر: 42

(2) الصافات: 35

(3) النحل: 49

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت