ـ المعاصي تنشأ من ضعف اليقين أو من غياب اليقين:
ـ قد تكون معاصي الإنسان ناشئة من ضعف اليقين وليس غيابه، أو أنها قد تكون ناشئة من غياب اليقين، ولا نستطيع أن نحدد هل هذه المعصية نشأت من ضعف اليقين أو من غياب اليقين، والإنسان في نفسه فقط يعلم من أي السببين نشأت ولكنه قد يتجاهل الأمر، وبالتالي فلا يمكن أن نحكم على شخص بأنه قد حقق اليقين من عدمه ولو فعل كل الكبائر والمعاصي وأصر عليها لأن الناس لا يعلمون من أي السببين نشأت عند ذلك الشخص.
ـ كما أن المعاصي تدل على فقد الإحساس بالقيمة أو ضعف الإحساس بالقيمة، فالمعاصي كالكذب والغش والخداع والسرقة كلها مخالفة لفطرة الإنسان والناس يكرهونها بفطرتهم حتى قبل أن يعرفوا الدين، والإنسان بفطرته عنده الأخلاق الحسنة كالصدق والأمانة والوفاء والنجدة والشجاعة ... الخ، وهذه الأخلاق لا يحتاج الإنسان إلى أن يتعلمها، ولكن عندما تتعطل فطرته وتتعطل وظائفه ويفقد الإحساس بالقيمة يفقد الإنسان صفات فطرته.
ـ أثر المشاعر على العمل:
ـ كل شعور من المشاعر ينشأ عنه عمل أو مظهر معين أو خلق معين، فمثلا عند الشعور بالغضب تجد الإنسان يحمر وجهه وتجد عليه علامات مميزة للغضب، ومثلا عند الشعور بالخوف والقلق قد لا يجد قابلية للطعام وقد يحدث الأرق من النوم والعرق وتأثير على حركة القلب ومستوي الهرمونات في الدم .... الخ، فالمشاعر لها تأثير علي السلوك وعلامات الوجه والطبع وتأثير على السمت العام والانفعال في الكلام والسلوك، ومن أشهر آثار المشاعر البكاء فهو يميز حقيقة المشاعر.
ـ كما أن هناك سلوك معين ومظاهر معينة تنشأ كأثر لكل شعور من المشاعر، فمن أشهر الآثار للذي يخاف من الله تجده مثلا يبكي حين يقرأ القرآن، والشخص الغاضب تجد انفعالاته في كلامه وسلوكه وعلي ملامح وجهه، والشخص الذي يفرح بشيء تجد الابتسامة علي وجهه.
ـ الإنسان قد يخفي أمورا معينة لكنها قد تظهر على فلتات لسانه وكثيرا ما تظهر في صورة مزاح، فأكثر المزاح هو في الحقيقة ليس مزاحا ولكنه يقول حقيقة ما يخفيها في قلبه وذلك نوع من إخراج ما هو مكبوت في قلبه.
ـ إنك عندما تتكلم مع إنسان وتتعايش معه قد تشعر علي سبيل الاحتمال أنه ليس في مشاعره ولا في حساباته شيء اسمه الجنة أو النار أو أن هناك ربا يسمعه ويراه: (( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) ) [1] ، في حين عندما تتكلم مع إنسان آخر وتتعايش معه تشعر بأنه رجل غيبي أخروي رباني بمعنى أن عيشته وفكره وقضيته وسلوكه تدل على أنه يعيش في انتظار حياة أخرى، ويعيش كأنه يفر من أحد أو يخافه (يفر من الله ويخافه) ويعيش معيشة المسافر الغريب عن وطنه وأهله.
ـ فكلام الإنسان وأعماله هي أثر وثمرة لحقيقة ما يعتقده فعلا، فإذا كان الإنسان ليس له كلام إلا في الدنيا وأمورها، وكل أعماله هي أعمال دنيوية، بينما إذا قال عبارة واحدة دينية أو عمل عملا إسلاميا فبالكاد يكون لضرورة أو لأن ذلك أصبح من عادات الناس، فمثل هذا الإنسان لا تظن ـ من باب الظن والاحتمال فقط ولا ينبني عليه حكم ظاهري فهو مسلم ـ لا تظن أن عنده مشاعر حقيقية متعلقة بالله والآخرة، وبالتالي فاليقين قد يكون عنده نظري فقط، والعكس صحيح فمن كان معظم كلامه عن الله والآخرة وأمور الدين، وأكثر أعماله إسلامية فتظن أنه على يقين حقيقي وإيمان حقيقي ـ ولا تزكي على الله أحدا.
ـ الدافع من العمل هو الشعور بما فيه من ألم أو لذة (الإحساس بالقيمة) :
ـ الإنسان يعمل العمل الذي يرى أن فيه نفع له وفائدة له ولذة له، ويبتعد عن العمل الذي يرى أن فيه ضرر له وألم له، فإذا فعل معصية فلأنه يرى أن فيها نفع له، فمثلا إذا نظر إلى العورات أو زنا فإنه فعل ذلك لأنه يرى أن ذلك فيه نفع له ولذة له ويتناسى أن ذلك فيه عقوبة كبيرة يوم القيامة ويتناسى أن ذلك لذة ضئيلة ومجرد زينة تخدع الناس ويتناسى خطورة رؤية الله منه فلا يستحي، وذلك ينشأ من نسيان الله والآخرة، أو ضعف الشعور بقدر الله والآخرة، فالإنسان هنا ليس لديه إحساس بحقيقة العمل فهو مخدوع بالزينة، رغم أنه على اقتناع نظري تام بأن هذا العمل حرام ولا يرضي الله وله عقوبة في الآخرة وبأنه مجرد زينة وبأن الله يراه ولكن كل هذا لا قيمة له في مشاعره.
ـ والإنسان إذا ابتعد عن النظر إلى العورات و الزنا فإنه فعل ذلك لأنه يرى أن ذلك فيه نفع له ولذة له في الدنيا والآخرة ويشعر أن ذلك الذنب ما هو إلا لذة ضئيلة ومجرد زينة تخدع الناس، وذلك ينشأ من اليقين الحقيقي بالله والآخرة، فالإنسان هنا لديه إحساس بحقيقة العمل فيتركه.
ـ إذن لا يمكن أن تقنع إنسان بترك عمل ما طالما أنه يشعر أن فيه لذة ونفع فلن يبتعد عنه حتى لو اقتنع نظريا، إذن لابد أن يشعر بأن هذا العمل فيه ضرر وألم فعندئذ يتركه، وهذا سبب تكرار العودة للذنوب رغم الاقتناع النظري بأن الواجب تركها.
(1) محمد: من الآية 30