فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 166

ـ إذن الغيبيات عبارة عن أمور خارقة للأسباب فهي معلومات مؤثرة جدا وبالتالي تستجلب الإحساس بالقيمة وتؤثر على مشاعر الإنسان وعمله، فإذا لم يحدث ذلك فهذا معناه أن الإنسان رفضها استكبارا وتغافل عنها.

ـ فالعقيدة عبارة عن معلومات، والتعامل مع أي معلومة لا يكون فقط بالاقتناع والتصديق النظري، فلا يصح اعتقاد الإنسان حتى يتحقق الإحساس بالقيمة لحقيقة ما يعتقد وينشأ عن ذلك مشاعر متعلقة بالله والآخرة، ولأن بعض كتب العقيدة تتناول العقيدة من جانب الاقتناع والتصديق النظري فقط، ولذلك فهذا الكتاب الذي بين يديك الآن هو كتاب في العقيدة، لكنه لا يتناول العقيدة من ناحية الاقتناع والتصديق النظري فقط ولكن من جانب الإحساس بالقيمة لخطورتها ووجودها في مشاعر المؤمن.

ـ إذن التعامل مع أي معلومة لا يتم فقط كمعرفة نظرية ويقين نظري، وإنما لابد من الإحساس بمقدار ما في المعلومة من أهمية وخطورة أو ألم ولذة، وبالتالي تكون المعرفة بهذه المعلومة معرفة حقيقية.

ـ فمثلا معنى كلمات: (إله) و (رب) و (الآخرة) و (الموت) و (الرسل) و (القرآن) و (الملائكة) و (القضاء والقدر) و (الموت) و (الدنيا) في اللغة وفي الشرع وفي العقل معروف وموجود عند الجميع، ولكننا لا نعرف معنى هذه الكلمات في المشاعر!!، فإن المعنى الذي يهم من معرفة أي شيء هو الشعور بمدى أهميته أو مدى قدره وقيمته أو مدى ما ينشأ عنه من نفع أو ضرر، وبالتالي مدى تأثيره على المشاعر، فكلمة الآخرة والسفر إليها تعني الشعور بالخوف والشعور بالغربة، وكلمة الخالق تعني أن هناك من له سيطرة وقدرة وتحكم فوق كل الناس والكون وهذا يعني الشعور بخوف المهابة وحب الإنتماء إليه فيخضع له خوفا وحبا، وكلمة رب تعني أنه أوجدك وأقامك وأمدك بما تحتاج وهذا يعني حبه تعالى، وكلمة مخلوق تعني ضعف المخلوق ونقصه واحتياجه للخالق ليحيا ويقضي حاجاته وخضوعه لهيمنة الخالق وسيطرته، ولذلك فإن الذي يشعر بعظمة الله وقدره وقدرته فقط هو الذي قد عرف الله وعرف أنه مخلوق معرفة حقيقية وهو الذي يحب الله وهو الذي يجيب على سؤال القبر"من ربك؟"، وإن الذي تكون وجهته في حياته إلى الله هو الذي يجيب على سؤال"ما دينك؟"، وإن الذي يشعر بأن هناك رسالة نزلت من السماء إلى البشر لتقيم الحجة عليه فيحب الرسول (ص) هو الذي يجيب على سؤال"من نبيك؟"، أما الذي تنقطع مشاعره عن الله واليوم الآخر وتتوجه إلى الدنيا، فالدنيا والشهوة ربه ودينه.

ـ ولذلك عندما نظر الأستاذ المودودي إلى حال بعض الناس ظن خطئا أن المشكلة عندهم هي أنهم لا يفهمون معاني كلمات (الإله) و (الرب) و (العبادة) و (الدين) فقال: (( لما نزل القرآن الكريم في العرب وعرض على الناطقين بالضاد كان كل امرئ منهم يعرف معنى الإله وما المراد بالرب، لأن كلمتي الإله والرب كانتا مستعملتين في كلامهم من ذي قبل، وكانوا يحيطون علما بجميع المعاني التي تطلق الكلمتان عليها، ومن ثم إذا قيل لا إله إلا الله ولا رب سواه ولا شريك له في ألوهيته وربوبيته، أدركوا ما دعوا إليه تماما وكذلك كانت كلمتا العبادة والدين شائعتين في لغتهم، وكانوا يعلمون ما العبد وما الحال التي يعبر عنها بالعبودية ولكن القرون التي تلت ذلك العصر الزاهر جعلت تتبدل فيها المعاني الأصلية الصحيحة لجميع تلك الكلمات، تلك المعاني التي كانت شائعة بين القوم عصر نزول القرآن، حتى أخذت تضيق كل كلمة من تلكم الكلمات الأربع لما كانت تتسع له وتحيط به من قبل، وعادت منحصرة في معان ضيقة محدودة لمدلولات غامضة مشتبهة ) ) [1] ، وهذا الكلام خاطئ لأن المشكلة ليست في معاني الكلمات ولكن في المشاعر المصاحبة لتلك الكلمات، وهذه المشاعر لا يعلم بوجودها إلا الله تعالى، وقد إعترض الأستاذ حسن الهضيبي على كلام الأستاذ المودودي فقال: (( إن هذا التقرير لا يتفق مع الواقع، ذلك أنه أيا كانت المعاني التي كانت شائعة في الجاهلية لتلكم الكلمات، فإن القرآن قد جاء محددا لما يقصده من كل منها، محددا المفهوم المعني من كل لفظة من ألفاظها ) ) [2] .

ـ ومن هنا نعرف كيف وصف الله الكافرين والمنافقين بأنهم أغبياء لا يفهمون ولا يعقلون رغم أنهم مقتنعون نظريا بصدق الرسول (ص) ، فالكفار يعلمون الحق بعقولهم ويفهمونه جيدا بعقولهم لكن مشاعرهم تأبى الإذعان والاستسلام لذلك وبالتالي فمشاعرهم جاحدة مستكبرة: (( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) ) [3] ، (( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) ) [4] ، (( إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ) ) [5] .

ـ ونستطيع أن نلخص ذلك بأنه لا يصح الإيمان بالله والآخرة والغيبيات إذا لم يكن لله والآخرة والغيبيات قيمة ولا قدر في شعورة، وإذا لم تتأثر مشاعره بخوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع.

(1) المصطلحات الأربعة ـ الأستاذ المودودي ـ الطبعة الثامنة ـ ص 8 ـ 21

(2) دعاة لا قضاة ـ الأستاذ حسن الهضيبي ـ ص 33 (دار التوزيع والنشر الإسلامية)

(3) الأنعام: من الآية 33

(4) النمل: من الآية 14

(5) غافر: من الآية 56

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت