شيئا ملكا حقيقيا فقد أشرك: (( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) ) [1] ، (( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ) [2] ، (( أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) ) [3] ، (( وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ) ) [4] .
ـ إن كل ما عندك وكل ما معك من مال ومسكن وزوجة وأولاد ومنصب وجاه وكل النعم وكل شيء ملكا لله تعالى بل أنت نفسك ملكا لله، لأن الذي خلق شيئا فهو يملكه، وكذلك كل ما يكتسبه الإنسان من تكريم ومن أفضلية ومن سمع ومن بصر وإرادة وعقل وقدرات، ولكن الإنسان يظن أن ما به من يد وعين وأنف .... إلخ ملكا له، فإن الله هو المالك لأنه الخالق ويتضح ذلك كالتالي:
ـ المال ملك لله: (( وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ) ) [5] ، (( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) ) [6] ، والمال تشتري به طعام وشراب ... الخ، وأي شيء تشتريه مصدره النبات أو الحيوان وذلك ملك لله تعالى، كما أن المال رزق الله وليس من كدك وتعبك، فلا يجوز للإنسان أن يتصرف في المال كيفما يشاء لأنه ليس ملكا له وإنما هو ملك لله، فيتصرف فيه كيفما يريده الله منه لأنه مالك هذا المال.
ـ كل ما يصنعه الإنسان هو من مادة الأرض أو نبات أو حيوان، وكل ذلك ملك لله تعالى وليس لك فضل في تصنيعه فالله هو الذي صنعه: ففي تفسير الطبري: (( عن قتادة والله خلقكم وما تعملون [7] بأيديكم ) ) [8] ، وقابلية تحويل المواد من مادة إلى مادة أخرى هي من خواص أودعها الله فيها فقد سخرها الله للإنسان لتقبل التحويل إلى مادة أخرى (( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ ) ) [9] ، (( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) ) [10] ، والمخترعات تنشأ من تطويع مواد الأرض وهي ملك لله، والله الذي سخرها وعلم الإنسان كيف يستفيد من تسخيرها، والطاقة التي تدير الموتور هي من صنع الله سبحانه فلا يغتر الإنسان بذلك.
ـ القوة في الجسم رزق أيضا وليس معني أنك تأخذ بأسباب القوة أنك صاحب ومالك هذه القوة أو أنك جلبتها لنفسك، فالعمليات التي تتم داخل الجسم لتحويل الطعام إلى عضلات هي من أمر الله، وكذلك كل ما يكتسبه الإنسان من تكريم ومن أفضلية ومن سمع ومن بصر وإرادة وعقل وقدرات.
ـ أعضاء الإنسان من أنف وعين وكلية .. الخ هي ملك لله وليست ملكا لصاحبها لذلك أفتى بعض العلماء بعدم جواز بيعها ففي كتاب بحوث لبعض النوازل الفقهية المعاصرة: (( القول الثاني: لا يجوز بيع الأعضاء وهو ما أفتى به المجمع الفقهي، الأدلة على التحريم أن أعضاء الإنسان ليست ملكًا له، ولم يؤذن له ببيعها شرعًا فيكون بيعها داخلًا في بيع الإنسان مالا يملك ) ) [11] .
ـ والإنسان ليس حرا في جسده يفعل به ما يشاء لأن جسده ليس ملكا له لذلك فالتدخين حرام لأن فيه ضرر لشيء أنت لا تملكه ففيه إفساد لما خلقه الله: (( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) ) [12] ، (( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) ) [13] .
ـ والطعام الذي تأكله ليس ملكا لك ولم تحضره من كدك وتعبك إنما هو ملكا لله وهو الذي أنعم به عليك، وكذلك الملابس التي تلبسها هي ملكا لله وليست ملكا لك وقد أنعم الله بها عليك، لذلك ففي الحديث: (( من أكل طعاما ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن لبس ثوبا فقال الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ) ) [14] ، فإذا قال هذا الدعاء وهو يشعر أن هذا الطعام فعلا أطعمه الله به وما يلبسه إنما كساه الله به من غير كده وتعبه ومن غير حول منه ولا قوة فإن الله يغفر له ذنوبه، وهو عندئذ قد حقق الشعور بأن الله هو المالك وبأن له صفات الإنعام فيخضع له ويحبه ويطيعه، فالأصل أن كل الناس جائعين والله يطعمهم، عراه والله يكسيهم، ضالين والله يهديهم، ففي الحديث القدسي: (( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته
(1) غافر: من الآية 16
(2) الفتح: من الآية 14
(3) يونس: 66
(4) النمل: 91
(5) الحديد: من الآية 7
(6) النور: من الآية 33
(7) الصافات: 96
(8) جامع البيان عن تأويل القرآن (ج: 23، ص: 75) ـ محمد بن جرير بن يزيد الطبري ـ دار الفكر ـ بيروت
(9) الحج: من الآية 65
(10) الجاثية: 13
(11) بحوث لبعض النوازل الفقهية المعاصرة - (ج 13 / ص 2)
(12) البقرة: من الآية 195
(13) النساء: من الآية 29
(14) تحقيق الألباني: (حسن) انظر حديث رقم: 6086 في صحيح الجامع.