قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم، ففي الدنيا حييتم ولغيرها خلقتم؛ إنما مثل الدنيا كالسم أكله من لا يعرفه واجتنبه من عرفه، ومثل الدنيا مثل الحية مسها لين وفي جوفها السم القاتل يحذرها ذوو العقول ويهوي إليها الصبيان بأيديهم )) [1] ، ولاحظ أن الآية لم تقل واجه العدو ولكن قالت: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) ، فلا تكن من المتنافسين على الدنيا المتهالكين عليها ودعهم يتنافسون عليها، فهؤلاء مثل الكلاب المسعورة تتنافس على جيفة قذرة!، ففي تفسير البحر المديد: (( الاستعاذة الحقيقية من الشيطان هي الغيبة عنه في ذكر الله أو شهوده، فلا ينجح في دفع الشيطان إلا الفرار منه إلى الرحمن. قال تعالى: {ففروا إِلَى الله} ، فإن الشيطان كالكلب، كلما اشتغلت بدفعه قوي نبحه عليك، فإما أن يخرق الثياب، أو يقطع الإهاب، فإذا رفعت أمره إلى مولاه كفه عنك، وقد قال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه: عداوة العدو حقًا هو اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو، فاتتك محبة الحبيب، ونال مراده منك ) ) [2] ، وفي تفسير اللباب: (( {ففروا إِلَى الله} أي فاهربُوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة، قال ابن عباس(رضي الله عنهما) : فروا منه إليه واعملوا بطاعته، وقال سهل بن عبد الله: فروا ممَّا سوى الله إلى الله )) [3] .
ـ الناس صنفين هما:
1ـ الصنف الأول: هم الذين يتطلعون ويترقبون وينتظرون ويتوقعون ويرجون الموت والآخرة ولقاء الله تعالى:
ـ فهؤلاء يعيشون في الدنيا معيشة من يقف في مكان ما ينتظر أحدا على موعد لمقابلته وهو قلق ينظر في الساعة دائما ويتلفت يمينا وشمالا لعل من ينتظره قادم الآن، فلحظات الانتظار هذه هي فترة عمره يبقى طوال حياته الدنيوية في حالة ترقب وانتظار وتوقع مجيء الموت والآخرة ولقاء الله في أي لحظة وإعلان النتيجة لما يصنعه في الدنيا.
ـ فهؤلاء يعيشون سنوات عمرهم في حالة تأهب وترقب واستعداد نفسي متطلعين إلى اليوم المحتوم الذي يعيشون من أجله منتظرين مجيء اليوم الذي يصلون فيه إلى بيتهم بعد سفر طويل!.
ـ وهؤلاء يعيشون حياتهم معيشة المسافر عابر السبيل الذي ينظر إلى الحياة الدنيوية على أنها مؤقتة فانية وأنه راحل إلى حياة الخلود حيث داره وأهله ومعيشته.
ـ وهؤلاء عندهم شعور بالترقب والانتظار والتطلع والطموح إلى الآخرة ولقاء الله، فذلك هدفهم وغايتهم التي يعيشون من أجلها.
ـ وهؤلاء يريدون الآخرة ولا يريدون الدنيا، يعيشون معيشة المتوقع المنتظر مجيء الموت والآخرة ولقاء الله.
ـ وهؤلاء يعيشون في حالة قلق وإشفاق وخوف من الآخرة، ويستمر ذلك طوال حياتهم وأثناء أداءهم للأعمال، وبالتالي عندهم صبر على ما في الدنيا من آلام أو من ترك الشهوات انتظارا لشهوات أخرى بديلة هي أعظم ولا تنتهي.
ـ فاليقين الحقيقي بالآخرة يؤدي إلى شعور باقتراب الآخرة وشعور بالترقب والانتظار والتطلع إلى الآخرة ولقاء الله، وهذا الانتظار فيه قلق وإشفاق وخوف وفيه أيضا طموح وأمل في الجنة، ويكون عنده استعداد نفسي وتأهب للموت واستعداد نفسي لترك الأهل والمال والطعام والشراب، ويكون عنده خوف من الآخرة وحب للجنة وخوف من النار.
ـ وهؤلاء عندهم صبر طويل، فهم يصبرون على الدنيا منتظرين الآخرة، والصبر على الدنيا معناه أن يصبر الإنسان مدة الستين سنة أو أكثر أو أقل حسب عمر الإنسان باعتبار أن هذه السنوات ما هي إلا لحظات منتهية ضئيلة في عمر الآخرة، فالذي يوقن فعلا بالآخرة ويشعر بها فإنه يصبر على أيام هذه الدنيا حتى تنقضي، لأن الإنسان منشغل عن الدنيا بانتظار الآخرة، ولأنه يشعر بأن الدنيا عابرة وتمر سريعا: (( فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) ) [4] .
ـ وعدم وجود هذا الشعور بالاستعداد والتأهب والتطلع إلى الآخرة معناه عدم وجود اليقين الحقيقي بالآخرة.
ـ وفي تفسير أبي السعود: (( وارجوا اليوم الأخر أي توقعوه وما سيقع فيه من فنون الأهوال وافعلوا اليوم من الأعمال ما تأمنون غائلته ) ) [5] .
ـ (( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) ) [6] ، (( مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ) [7] .
(1) مختصر صفة الصفوة - (ج 1 / ص 308)
(2) البحر المديد - (ج 3 / ص 297)
(3) اللباب في علوم الكتاب - (ج 14 / ص 402)
(4) المعارج: 5 ـ 7
(5) تفسير أبي السعود - (7/ 39)
(6) الكهف: 110
(7) العنكبوت: 5