فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 166

ـ إذا كان اليقين الحقيقي بأن الآخرة دار استقرار فلابد من وجود الشعور بقلق الانتظار.

2ـ الصنف الثاني: وهم الذين لا يتطلعون ولا يترقبون ولا ينتظرون الموت والآخرة ولقاء الله تعالى، فيعيشون حياة التلهي بالدنيا والاندماج والاطمئنان بأمور لعبها ولهوها:

ـ هؤلاء لا يريدون أن يموتوا فيعيشون كأن الموت لن يأتيهم، وهم مشغولون بالدنيا لا يترقبون الآخرة.

ـ (( إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7) أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )) [1] ، وفي أيسر التفاسير للجزائري: (( لا يرجون لقاءنا: أي لا ينتظرون ولا يؤملون في لقاء الله تعالى يوم القيامة، ورضوا بالحياة الدنيا: أي بدلًا عن الآخرة فلم يفكروا في الدار الآخرة، واطمأنوا بها: أي سكنوا إليها وركنوا فلم يروا غيرها حياة يُعمل لها، غافلون: لا ينظرون إليها ولا يفكرون فيها ) ) [2] . وفي تفسير التسهيل لعلوم التنزيل: (( إن الذين لا يرجون لقاءنا ... وقيل لا يرجون لا يتوقعون أصلا ولا يخطر ببالهم ورضوا بالحياة الدنيا أي قنعوا أن تكون حظهم ونصيبهم واطمأنوا بها أي سكنت أنفسهم عن ذكر الانتقال عنها والذين هم عن آياتنا غافلون ) ) [3] ، وفي تفسير البحر المديد: (((إن الذين لا يرجون لقاءَنا أي: لا يتوقعونه ) ) [4] .

ـ (( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ ) ) [5] ، (( بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ) ) [6] ، (( إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ) ) [7] ، (( مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ) ) [8] .

ـ لاحظ أن الكفار عندهم انتظار أيضا ولكن ليس للآخرة فهو انتظار لعدم مجيء الآخرة في نظرهم، وبالتالي هذا الانتظار لن يؤثر على مشاعرهم ولا همومهم في شيء لأنهم ينتظرون شيئا لن يحدث في نظرهم فيعيشون مطمئنين للدنيا غير منتظرين الآخرة: (( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ) ) [9] ، كأنهم يقولون نحن ننتظر عذاب النار الذي تزعم بوجوده فإنه لا يأتينا.

ـ وعدم وجود هذا الشعور بالاستعداد والتأهب والتطلع إلى الآخرة يعني عدم وجود الإحساس بقدر الآخرة، وفي تفسير القرطبي: (( والذين كفروا عما أنذروا معرضون مولون لاهون غير مستعدين له ويجوز أن تكون ما مصدرية أي عن إنذارهم ذلك اليوم ) ) [10] ، وفي تفسير الطبري: (( القول في تأويل قوله تعالى اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون .... وهم في غفلة معرضون يقول وهم في الدنيا عما الله فاعل بهم من ذلك يوم القيامة وعن دنو محاسبته إياهم منهم واقترابه لهم في سهو وغفلة وقد أعرضوا عن ذلك فتركوا الفكر فيه والاستعداد له والتأهب جهلا منهم بما هم لاقوه عند ذلك من عظيم البلاء وشديد الأهوال ) ) [11] .

ـ الإحساس بمدي الخطر في الآخرة:

ـ إن كلمة الآخرة تعني المصير المرعب والمخيف الذي أنت مقبل عليه، وتعني الأهوال العظيمة، فلماذا لا تشعر بخوف المهابة والقلق من أهوال القيامة؟ فمن أسماء الآخرة (يوم الحسرة) و (يوم الزلزلة) و (يوم تشخص فيه الأبصار) ، و (الغاشية) وفي تفسير البحر المحيط: (( {هل أتاك حديث الغاشية} والغاشية: الداهية التي تغشى الناس بشدائدها يوم القيامة ) ) [12] ، وهو (( يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ) ) [13] ، إن الآخرة هي أخطر شيء في حياة الإنسان، وأهوال القيامة من أشد ما يمكن ومن أخطر ما يمكن، وما نشعر به من ذلك الخطر لا يساوي واحد علي مليون أبدا، فالأمر يقابله البعض ببرود في حين أن أي أمر من أمور الدنيا تجد المشاعر تتفاعل والخوف شديد، وأنظر إلى شدة خوف الرسول (ص) والصحابة والتابعين والصالحين من الآخرة، فلو جاء إلينا إنسان من الآخرة فرأي حالنا لأصابته سكتة قلبية من حال البعض وبرود أعصابهم تجاه

(1) يونس: 7، 8

(2) أيسر التفاسير للجزائري - (2/ 450)

(3) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزى - (1/ 480)

(4) البحر المديد ـ موافق للمطبوع - (3/ 194)

(5) يونس: 15

(6) الفرقان: 40

(7) النبأ: 27

(8) نوح: 13

(9) السجدة: 30

(10) الجامع لأحكام القرآن (ج: 16، ص: 179) ـ محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي ـ دار الشعب ـ القاهرة.

(11) جامع البيان عن تأويل القرآن (ج: 17، ص: 1) ـ محمد بن جرير بن يزيد الطبري ـ دار الفكر ـ بيروت.

(12) البحر المحيط - (ج 10 / ص 480)

(13) المزمل: من الآية 17

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت