هذا الخطر المحدق، أنظر كيف يعبر القرآن عن هذا الخطر (( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) ) [1] ، فهل رأيت إنسان أصابه السكر من شدة العذاب، إن الذي يقول أن ما يحدث في الآخرة هو خيال لا يصدق هو أفضل حالا من الغافل عن الآخرة، وإن الذي يشعر بخطورة الآخرة علي أنها فيلم مرعب يثير الفزع والرعب فهو رغم خطأه الفادح أفضل حالا ممَنْ تكون الآخرة في شعوره عادي، فلابد أن تشعر بمدي ما أنت مقبل عليه، وكيف لا يهتم إنسان بأن يشعر بما هو مقبل عليه، إن الآخرة التي في مشاعر البعض تختلف عن الآخرة الحقيقية، فإن الآخرة التي في مشاعر بعض الناس اليوم هي آخرة أليفة ودودة لا مشكلة فيها ولا خطر فيها، وإن شعورهم بالآخرة مثل شعورهم بأي شيء عادي!، إنك لو قارنت بين خطر الآخرة وبين أي أخطار أو مخاوف في الدنيا فسوف تجد أن الآخرة لا تمثل في مشاعرك خطر حقيقي أو أهمية حقيقية مثل أي خطر تواجهه أو تتعرض له في الدنيا، فتجد المشاعر متفاعلة به والبال مشغول، وذلك رغم الفارق العظيم بين كل أخطار ومخاوف الدنيا وبين خطر الآخرة، إن الذي لا يتأثر بشيء مؤثر جدا فإنه لا يعي ولا يشعر بحقيقة ما في هذا الشيء من خطورة، فهو ميت القلب قد تعطلت وظائفه، إن الآخرة أمر مؤثر جدا وخطير جدا ولكن لا يوجد تأثر بها!!.
ـ كلمة (الآخرة) عند من لم يشعر بخطورتها تختلف عن كلمة (الآخرة) عند من يشعر بخطورتها وأنها أمر فعلي حقيقي وحقيقة ماثلة فعلا، فالأول يراها أمرا عاديا ومجيئها لا يمثل خطورة والثاني خائف منها: (( يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) ) [2] ، والأول سوف يفاجئ المفاجأة الرهيبة بيوم القيامة كأنها مفاجأة لم يكن يعرفها كأنه لم يسمع عن شيء اسمه الآخرة لأنه لم يكن يشعر بخطورة الآخرة، أما الثاني فكان يعيش وعنده تهيئة نفسية فلا يفاجئ بالآخرة وإنما هو منتظر مجيئها ومنتظر تحقيق وعد الله تعالى.
ـ الإحساس بمعني الخلود في الآخرة:
ـ قارن بين قصر العمر في الدنيا وطول العمر الأبدي في الآخرة (( أَفَرَأيتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ، مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ) ) [3] ، فالعمر ما هو إلا يومان يوم ذهب وباقي يوم وفي الحديث: (( الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ ) ) [4] .
ـ الخلود في الآخرة ليس أمر بسيط يمكن أن نمر عليه مر الكرام، فالخلود في النار معناه أن يظل الإنسان في العذاب داخل النار ليس لمدة ساعة ـ وإن كان ذلك مروع جدا ـ وليس لمدة يوم كامل، ولا لمدة شهر ولا سنة ولا مائة سنة ولا مليون سنة ولا مليار سنة ولكن للأبد من غير أن يموت، فمقارنة ذلك بأيام الدنيا وآلامها تكون الدنيا لحظات، حتى لو عاش الإنسان في الدنيا مائة عام تكون لحظات تمضي سريعة، وكذلك الخلود في نعيم الجنة وملذات الجنة ليس لمدة يوم ـ وإن كان ذلك غاية في المتعة ـ وليس لمدة شهر ولا سنة ولا مائة سنة ولا مليون سنة ولا مليار سنة ولكن للأبد من غير أن يموت، فمقارنة ذلك بأيام الدنيا ومتاعها الضئيل تكون الدنيا لحظات، حتى لو عاش الإنسان في الدنيا مائة عام تكون لحظات تمضي سريعة، لذلك من شعر بمعنى الخلود في الآخرة لم يهتم بالدنيا وما فيها وانصرف همه عنها ولم يعبأ بما يلقاه فيها من ألم أو نعيم، ولذلك من انشغل همه وفكره ومشاعره بالدنيا على حساب انشغال همه وفكره ومشاعره بالآخرة فهو لا يؤمن بالخلود في الآخرة إيمانا حقيقيا، وإيمانه بالآخرة عندئذ هو إيمان نظري فقط، لأنه لو شعر بالخلود في الآخرة لما انشغل بالدنيا عن الآخرة، وكذلك الحال لمن شعر بالمقارنة بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، وبين آلام الدنيا وآلام الآخرة فإنه عندئذ لا يعبأ بآلام الدنيا ولا بنعيمها.
ـ إن كل شيء منتهي فهو ضئيل، وكل شيء خالد فهو عظيم، فالدنيا زائلة ومنتهية وليس فيها خلود، والمتع والشهوات التي تنتهي لا قيمة لها، ولكي يشعر الإنسان بذلك يسال نفسه: وماذا بعد أن يأكل ويشرب وينام ويعمل ويتمتع ويقوم بأمور الدنيا؟، فالإجابة أن كل ذلك إلى زوال وبعد ذلك القيامة.
ـ قال مالك بن دينار: (( لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والآخرة من خزف يبقى لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى فكيف والآخرة من ذهب يبقى والدنيا من خزف يفنى؟ ) ) [5] .
ـ فمهما حقق الإنسان في الدنيا من طموحات، ومهما حصَّل من نعم في الأموال وفي المناصب وفي المتع والملذات فكل ذلك ضئيل القيمة لأن كل ذلك مصيره إلى الزوال ويُحرم الإنسان منه بعد ذلك، فعلى الإنسان أن يسال نفسه: وماذا بعد أن يحقق الطموحات؟ إن كل شيء سوف يفنى، فالشيء الذي يفنى مهما كان عظيما فانه ضئيل القيمة لأنه يفنى، أما المتع في الآخرة فهي باقية، ولو عاش الإنسان في الدنيا ألف سنة فلا تعادل لحظة من عمره اللا نهائي في الآخرة.
(1) الحج: 2
(2) الشورى: 18
(3) الشعراء: 205 ـ 207
(4) رواه البخاري: (6567)
(5) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - (ج 8 / ص 504)