العبادة، وقوامها تثمر قوام الحياة، ورغد العيش للإنسان. ثم إن عمارة الأرض تتوافق مع جبلية وفطرة الإنسان، وما جبل عليه من حب المال، والتنافس في الدنيا، والإكثار من الخيرات والاستزادة منها ... وهنا تدخل الشرع ليحكم، فربط العبادة بالعمارة، بشكل معتدل، بعيدا عن الإفراط والتفريط، انطلاقا من مهمة الاستخلاف في الأرض، وقوله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة} (البقرة:29) .
"والخليفة: من يخلف غيره، وينوب منابه، والهاء فيه للمبالغة، والمراد به آدم عليه السلام لأنه كان خليفة الله في أرضه، وكذلك كل نبي استخلفهم الله في عمارة الأرض وسياسة الناس، وتكميل نفوسهم، وتنفيذ أمره فيهم" [1] .
وليس من شك في أن عبادة الله هي الأصل والأساس لقوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات:56) . ولكن العبادة المقصورة بحكم النص القرآني أن الإنسان العابد لابد أن يكون عاملا منتجا، باعتبار أن العمل الجاد والدؤوب هو سبب عمارة الأرض، وهذه الأخيرة لا تكون إلا بالبناء والتشييد والحرث والزرع وإحياء الأراضي وغيرها، مما يسهل حياة الإنسان ليقوم بعبء العبادة والعمارة في نفس الوقت.
فعمارة الأرض فريضة دينية، وواجب إسلامي على كل إنسان، وقد نص على حكم الوجوب غير واحد من الفقهاء والمفسرين [2] .
(1) -"التحرير والتنوير"للطاهر بن عاشور: 1/ 208.
(2) - انظر مثلا:"أحكام القرآن"للجصاص: 3/ 378 و"الجامع لأحكام القرآن"للقرطبي: 9/ 38 و"أحكام القرآن"لابن العربي: 3/ 16.