-ثانيا: إن من معظم مقاصد التشريع في الإسلام: ما يفيد الطلب بالقيام بعمارة الأرض، واستصلاحها، بما يحقق النفع العام للإنسان والمجتمع والأمة والإنسانية جمعاء، وقد حكى هذا المقصد العام من التشريع غير واحد من علماء الفقه والمقاصد، ومنهم الشيخ الطاهر بن عاشور في قوله:"إن من أكبر مقاصد الشريعة: الانتفاع بالثروة العامة بين أفراد الأمة على وجوه جامعة بين رعي المنفعة العامة، ورعي الوجدان الخاص، وذلك بمراعاة العدل مع الذي كد لجمع المال وكسبه، ومراعاة الإحسان للذي بطأ به جهده، وهذا المقصد من أشرف المقاصد التشريعية" [1] .
وتزكية لكلام ابن عاشور، يقول الأستاذ علال الفاسي:"المقصد العام للشريعة الإسلامية هو: عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها، وصلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة، وفي صلاح في العقل وفي العمل، وإصلاح في الأرض، واستنباط لخيراتها، وتدبير لمنافع الجميع [2] ."
فعمارة الأرض، وتعميرها بالبناء والزراعة والصناعة، والانتفاع بما في باطنها وظاهرها من خيرات ونعم، مطلوب من الناس عامة، ومن المسلمين خاصة، وهو عمل من أعمال الاستخلاف العام للناس في الأرض. فالعمران في حياة الإنسان ليس بعيدا عن مقصود الشرع، بل هو من أشرف المقاصد، وأوكد الأوامر، لذلك لا ينبغي للمكلف أن يكون مقصوده مخالفا لمقصد الشارع، وهذا يقتضي من الإنسان المستخلف العمل على جلب المصالح، ودرء المفاسد، لتحقيق غاية العمارة والقيام بمهمة الاستخلاف.
(1) -"التحرير والتنوير"للطاهر بن عاشور: 2/ 449.
(2) -"مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها"لعلال الفاسي: ص: 41، مكتبة الوحدة العربية، الدار البيضاء.