إن القرآن الكريم يبين - في غير ما آية من آياته- أن نعمة الاستقرار والأمن، تأتي مع توفر الموارد والمنتجات التي تحفظ النفس وتلبي احتياجاتها الأساسية كالمأكل والمشرب والملبس والمسكن ... كما في قوله تعالى: {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} (طه: 115 - 116) .
فإنه لما نفى عنه الجوع والعري، أفاد ثبوت الشبع والاكتساء له، كما أن نفي الظمأ يستلزم حصول الري، ووجود المسكن الذي يدفع عنه مشقة التعرض للشمس، وهو ما يسعى له الإنسان في الدنيا، ليستقر ويطمئن" [1] ."
فالشبع والري والكسوة والكن: هي الأقطاب التي يدور عليها كفاف الإنسان، فذكره استجماعها له في الجنة، وأنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف، ولا كسب كاسب، كما يحتاج إلى ذلك أهل الدنيا" [2] ."
فإذا كان الأمن الاقتصادي في الاصطلاح الوضعي يعني توفير المستلزمات المادية للإنسان لإشباع حاجاته والاستجابة لرغباته، فإن مفهومه في التصور القرآني يتجاوز ذلك بكثير، فإن قضيته ليست قضية أكل أو شرب أو تملك فقط، بل هي قضية استقرار، وطمأنينة، وسكون الناس بعضهم إلى بعض، وسلامة العلاقات فيما بينهم، وتأمين احتياجاتهم بسلاسة ويسر، وهذا لن يحصل والنفس الإنسانية متشربة بالكفر أو المعصية، وقد أبان القرآن هذا المعنى من خلال
(1) -"تيسير الكريم الرحمن"للشيخ السعدي، ص: 487.
(2) -"الكشاف"للزمخشري، ص: 813.