ضرب المثل في قوله تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} (النحل: 112) .
وهذا المثل قائم لكل ذي لب إلى يوم القيامة، يبين الله فيه أن الأمن الاقتصادي لا يتحقق إلا في ظل الإيمان والعبودية الخالصة لله عز وجل، فالإنسان لا يستلذ حلاوة الأمن، ولا يستمتع برغد العيش، إلا في كنف الإيمان، وطاعة الله عز وجل.
والمثل قد يضرب بشيء موجود معين، أو غير موجود، فمن ذهب إلى تعيين القرية بأنها مكة [1] ، بينما ذهب آخرون إلى عدم تعيينها، وإنما هي مثل من الله، تنبيها وزجرا لكل من يكفر بالله، ويجحد نعمه، بسوء العاقبة، على سبيل بيان سنته تعالى فيمن كانت حالته كذلك [2] .
ويقول الرازي في حسم الخلاف بين العلماء:"والأقرب أنها غير مكة، لأنها ضربت مثلا لمكة، ومثل مكة يكون غير مكة" [3] .
وبغض النظر عن تعيين القرية من عدمه، فقد جعلها الله مثلا لغيرها من القرى التي كانت تنعم بالأمن الاقتصادي، والغذائي، والاجتماعي، حيث وصفها بثلاث صفات: كل واحدة منها
(1) - ذهب إلى ذلك: ابن عباس ومجاهد وقتادة والجمهور، وقال ابن الجوزي: هو: الصحيح، انظر:"زاد المسير في علم التفسير"لأبي الفرج جمال الدين ابن الجوزي، ص: 797، المكتب الإسلامي، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى، سنة:1423 هـ/2002 م.
(2) - إلى هذا ذهب: الحسن البصري إذ قال:"إنها قرية أوسع الله على أهلها حتى كانوا يستنجون بالخبز، فبعث الله عليهم الجوع، حتى كانوا يأكلون ما يقعدون"، انظر:"زاد المسير": ص: 797.
(3) -"تفسير الفخر الرازي"المشتهر"بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب": 20/ 102، دار الفكر للطباعة والنشر، لبنان، الطبعة الأولى سنة: 1401 هـ/1981 م.