قال الزمخشري:"أما الإذاقة، فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا، والشدائد، وما يمس الناس منها، فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه العذاب: شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر والشبع" [1] .
ويقول ابن عاشور شارحا جمال الاستعارة في الآية:"ومن بديع النظم، أن جعلت الثانية متفرعة على الأولى، ومركبة عليها بجعل لفظها مفعولا للفظ الأولى، وحصل بذلك أن الجوع والخوف محيطان بأهل القرية في سائر أحوالهم، وملازمان لهم، وأنهم بالغان منهم مبلغا أليما" [2] .
ثم يبين الله عز وجل أن هذا الجزاء الأليم، بسبب صنيعهم وما قدمته أيديهم وهو الكفر بالله وعدم شكر نعمه، وهكذا سنته تعالى في خلقه، كما في قصة ثمود إذ قال لهم أخوهم صالح: {أتتركون فيما ها هنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم، وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين، فاتقوا الله وأطيعون، ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون} (الشعراء: 146 - 152) .
فالآيات ذكرت الأمن والرزق متلازمين لا ينفكان عن بعضهما البعض، ونجد دائما أن الأمن يتقدم الرزق لكونه الوسيلة لحصوله ودوامه واستمراريته.
(1) -"الكشاف"للزمخشري، ص: 706، وقد أسهب الزمخشري في شرح هذا المثل وبيانه، حتى قال ابن المنير في"الانتصاف": 2/ 596:"وهذا الفصل من كلامه يستحق من علماء البيان أن يكتبوه بذوب التبر لا بالحبر"، انظر:"الكشاف ومعه الانتصاف"لابن المنير المرزوقي، تحقيق: عادل أحمد وعلي معوض وفتحي حجازي، مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى سنة: 1418 هـ/1998 م.
(2) -"التحرير والتنوير"للطاهر بن عاشور: 14/ 307.