ففي هذا النص، صورة مشرقة للتشريع الإسلامي، باهتمامه الواسع بالأمن الاقتصادي، وضرورة توفير ضروريات الحياة - من حرام - إن انسدت أبواب الحلال، لتحسين حالة المجتمع من أجل أن يعيش آمنا مستقرا، بعيدا عن القلق والاضطراب.
كما نجد علما آخر من أعلام الإسلام، يبيح الأكل من الحرام عند عمومه، وفقدان الحلال، وليس هذا من باب الضرورة في شيء، يقول العز بن عبد السلام:"لو عم الحرام في بلدة بحيث لا يوجد فيها حلال، جاز أن يستعمل من ذلك ما تدعو إليه الحاجة، ولا يقف تحليل ذلك على الضرورة، لأنه لو وقف عليها لأدى إلى ضعف العباد، واستيلاء الكفار وأهل العناد على بلاد الإسلام، ولانقطع الناس عن الحرف والصنائع والأسباب، التي تقوم بمصالح الأنام" [1] .
يعكس قول العز بن عبد السلام الصورة الحقة التي يدعو إليها الإسلام وهي توفير أسباب العيش والقوة والمنعة، ليعيش أفراد المجتمع الإسلامي في أمن و استقرار.
لقد كان المجتمع الإسلامي في عهد النبوة والخلافة الراشدة، يسوده الأمن والاستقرار والرخاء، ومن جملة الأسباب التي دعت إلى ذلك، أنه قد تحقق فيه الإشباع لحاجات كل فرد من أفراده، وبذلك اختفى منه الجوع والفقر، فقد أمر النبي عليه السلام - فور هجرته إلى المدينة- بإنشاء سوق خاصة بالمسلمين، حيث كان سوق هذه الأخيرة محصورا بأيدي اليهود، مما يشكل تهديدا واضحا لأمن المسلمين الغذائي، والاقتصادي، ومن ثم السياسي.
(1) -"قواعد الأحكام في مصالح الأنام"للعز بن عبد السلام: 1/ 60، دار الكتب العلمية بيروت، تحقيق عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، الطبعة الثانية، سنة: 2010 م.