رابعا: إن مفهوم الحاجة في الفكر الاقتصادي الوضعي، يعكس نموذج الإنسان الاقتصادي ذو البعد المادي فقط، والذي لا هم له سوى إشباع غرائزه الحسية، والاستجابة لأهواء نفسه ونزواتها المادية، وكأن الإنسان يتكون من نسق بيولوجي عضوي فقط.
وعلى العكس من ذلك، فالإنسان- في تصور الإسلام - نفس، وقلب، وعقل، وبدن، فكل واحد من هذه الأربعة لابد أن يحظى بنصيبه وحاجته التي تشبعه، وتجعله يؤدي وظيفته التي خلق من أجلها. فالتركيز في الإنسان على البعد المادي، وإتباع أهواء النفس في إشباع الحاجات المادية فقط، يخرج الحياة عن الصلاح والانتظام بالكلية، ويأذن بالخراب والهلاك، قال تعالى: {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى، وأما من خاف مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} (النازعات: 37 - 40) .
قال الإمام الالوسي رحمه الله:"أصل الهوى: مطلق الميل، وشاع في الميل إلى الشهوة، وسمي بذلك - على ما قاله الراغب- لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل هاوية، وفي الآخرة إلى الهاوية، لذلك مدح مخالفه" [1] .
-خامسا: إن حاجة الإنسان في الإسلام، تتلائم مع فطرته، ووظيفته، وزمانه، ومكانه .... بعيدا عن كل إفراط أو تفريط، وقد وضع الشارع ما يشبعها من سلع ومنتجات، وفق مقاصد وأهداف محددة، عكس النظام الاقتصادي الوضعي الذي ينظر إلى الحاجة الإنسانية نظرة محايدة وضيقة، لا تراعي مقتضيات المصلحة العامة، لذلك يتجه الإنتاج فيه إلى إشباع هذه
(1) -"روح المعاني"للآلوسي ت (270 هـ) : 3/ 36، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الرابعة، سنة: 1405 ه .. و انظر:"مفردات الفاظ القران"للراغب: ص:542.