وأما أمته فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله في ذلك على تصادق وتآخ للحق، وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى، فالله مسددهم وموفقهم [1] .
* وقال ابن الجوزي في تفسيره لهذه الآية:
اختلف العلماء لأي معنى أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه -مع كونه كامل الرأي، تام التدبير- على ثلاثة أقوال:
أحدها: ليستن به من بعده، وهذا قول الحسن وسفيان بن عيينة.
الثاني: لتطييب قلوبهم، وهو قول قتادة، والربيع، وابن إسحاق، ومقاتل، قال الشافعي -رحمه الله-: نظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم"البكر تستأمر فيها نفسها" [2] . إنما أراد استطابة نفسها، فإنها لو كرهت كان للأب أن يزوجها [3] وكذلك مشاورة إبراهيم -عليه السلام- لابنه حين أمر بذبحه.
الثالث: للإعلام ببركة المشاورة، وهو قول الضحاك.
-وقال ابن عاشور في تفسيره للآية:
(وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) [4] [سورة آل عمران، الآية: 159] أل في الأمر للجنس، والمراد بالأمر: المهم الذي يؤتمر له، ومنه قولهم: أمْر أمِر. وقال أبو سفيان لأصحابه -في حديث هرقل-: لقد أمِر أمْر ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر. وقيل: أريد بالأمر أمر الحرب، فاللام للعهد.
وظاهر الأمر أن المراد المشاورة الحقيقية التي يقصد منها الاستعانة برأي المستشارين، بدليل قوله -تعالى- عقبه: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [5] [سورة آل عمران، الآية: 159] فضمير الجمع في قوله: (وَشَاوِرْهُمْ) . عائد على المسلمين خاصة، أي: شاور الذين أسلموا من بين من لنت لهم، أي: لا يصدك خطل رأيهم فيما بدا منهم يوم أحد عن أن تستعين برأيهم في مواقع أخرى.
(1) - انظر لكل ما سبق: تفسير الطبري 4/ 152، 153.
(2) - رواه مسلم"2/ 1037، رقم 1421"وأبو داود"2098"والترمذي"1108"والنسائي"3260 - 3262، وابن ماجة"1870"عن ابن عباس."
(3) - المسألة خلافية بين العلماء، وانظر: ما قاله النووي في شرحه لهذا الحديث، في شرح صحيح مسلم، وغيره من كتب الفقه.
(4) - سورة آل عمران آية: 159.
(5) - سورة آل عمران آية: 159.