فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 79

وقد روى ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما من نبي إلا وله وزيران من أهل السماء، ووزيران من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر" [1] .

ولذلك قال علي رضي الله عنه مترحما على عمر رضي الله عنه بعد أن طعن: ما خلفت أحدا أحب إلي من أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أني كثيرا كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر" [2] .

ولا شك أن كثرة لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم مع صاحبيه كان لأمور مهمة وعظيمة، ومن ذلك التشاور المستمر في شئون الأمة، وما يجد فيها، ويؤكد ذلك وقائع السيرة وروايتها.

بل إن الأمر أوسع من ذلك، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله" [3] .

وبهذا ندرك أن قوله -تعالى-: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) [4] [سورة آل عمران، الآية: 159] أصبح منهج حياة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده اقتداء به، وتصديقا لقوله -تعالى-:(

وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [5] إذ مدح الله الأنصار -رضي الله عنهم- لممارستهم الشورى في حياتهم حتى قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

وتوضيحا لما تم إجماله سأذكر بعض وقائع السيرة من مشورته صلى الله عليه وسلم لأصحابه في أزمنة مختلفة.

ونظرا لأن المراد هو بيان أن الشورى في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أصبحت حقيقة واقعة، ومنهج حياة، وليس المراد هو حصر وقائع الشورى، وذكر تفصيلاتها ودقائقها، فلن ألتزم بحصر تلك الوقائع، ولن أفصل فيها تفصيلا يخرج عن الهدف الذي سيقت له، بل سأذكرها بما يشبه الإجمال، وليس المراد هو التحقيق من صحة كل رواية بذاتها -حيث إن بعض ما يرد قد لا يخلو من ضعف وبخاصة في تفاصيله لا في أصله- ولكن مجموع ما سأذكره من وقائع وشواهد -وبعضها في الصحيحين- يحقق الغرض الذي سيقت من أجله، وهذه مسألة لا بد من التنبه لها ومراعاتها، وتبرز قضية المشاورة من خلال مما يلي:

1 -مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لخديجة -رضي الله عنها- منذ بعثته حتى وفاتها [6]

2 -استشارة الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه في مكة، ومن أبرز الوقائع في ذلك حادثة الهجرة، واتخاذ الترتيبات لذلك [7] .

مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في غزوة بدر

3 -ما حدث في بدر من مشاورة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته في عدة مواضع أهمها:

(أ) استشارته لأصحابه قبل اتخاذ قرار المواجهة مع قريش، فعندما أتاه الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عيرهم استشار الناس بعد أن أخبرهم بقدوم قريش، فقام عدد من الصحابة من المهاجرين كأبي بكر والمقداد بن عمرو، وأشاروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يمضي لما أراه الله، فهم موافقون لأي قرار يتخذه، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يريد رأي الأنصار -تنفيذا لما تم الاتفاق عليه في بيعة

(1) - رواه الترمذي"3680"وهو حديث ضعيف انظر ضعيف الجامع"5223".

(2) - رواه البخاري"7/ 26، رقم 3677"، ومسلم"4/ 1858، رقم 2389"كلاهما عن ابن عباس.

(3) - أخرجه البخاري (13/ 201، رقم"7198"-فتح-) والإمام أحمد (3/ 39 و 88) والنسائي (4202) عن أيى سعيد الخدري رضي الله عنه.

(4) - سورة آل عمران آية: 159.

(5) - سورة الشورى آية: 38.

(6) - انظر: فقه السيرة ص 91 و 128.

(7) - انظر: فقه السيرة ص 170 و 172.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت