أما الأول: فلأنه بذل سؤاله وفقره وذله واستعطاءه لغير الله وذلك نوع عبودية فوضع المسألة في غير موضعها، وأنزلها بغير أهلها، وظلم توحيده وإخلاصه وفقره إلى الله وتوكله عليه ورضاه بقسمه، واستغنى بسؤال الناس عن مسألة رب الناس، وذلك كله يهضم من حق التوحيد، ويطفئ نوره ويضعف قوته.
وأما ظلمه للمسئول: فلأنه سأله ما ليس عنده فأوجب له بسؤاله عليه حقا لم يكن له عليه، وعرضه لمشقة البذل، أو لوم المنع، فإن أعطاه، أعطاه على كراهة، وإن منعه، منعه على استحياء وإمضاض، هذا إذا سأله ما ليس عليه وأما إذا سأله حقا هو له عنده: فلم يدخل في ذلك ولم يظلمه بسؤاله.
وأما ظلمه لنفسه: فإنه أراق ماء وجهه وذل لغير خالقه وأنزل نفسه أدنى المنزلتين، ورضي لها بأبخس الحالتين، ورضي بإسقاط شرف نفسه، وعزة تعففه، وراحة قناعته، وباع صبره ورضاه وتوكله وقناعته بما قسم له، واستغناءه عن الناس بسؤالهم، وهذا عين ظلمه لنفسه، إذ وضعها في غير موضعها، وأخمل شرفها، ووضع قدرها، وأذهب عزها وصغرها وحقرها، ورضي أن تكون نفسه تحت نفس المسئول ويده تحت يده.
وقال البغوي رحمه الله: وقد كره بعض السلف المسألة في المسجد، وكان بعضهم لا يرى أن يتصدق على السائل المتعرض في المسجد. [شرح السنة 2/ 375] .
وقال أبو حامد الغزالي: الأصل في السؤال التحريم لثلاثة أسباب:
الأول: شكوى الله على الخلق: إذ إن السؤال إظهار للفقر، وإن نعمة الله قصرت عنه، وذلك عين الشكوى.
الثاني: أن السائل يذل نفسه لغير الله تعالى، وليس للمسلم أن يذل نفسه إلا لله، وفي السؤال ذل للسائل، بالإضافة إلى إيذاء المسؤول.
الثالث: في السؤال إحراج للمسؤول وإيذاء له، فهو إما أن يعطيه حياءً أو رياءً، وبهذا يحرم على الآخذ والمعطي. [إحياء علوم الدين 4/ 278] .
وقال الحنابلة رحمهم الله: يكره سؤال الصدقة في المسجد، ويكره إعطاء السائل فيه.