وقد خرج عدد كبير من الصحابة من الرعيل الأول من المدينة واستقر بعضهم في الشام ، وبعضهم في العراق ، وبعضهم في مصر ، وغيرها من البلدان ، ولم يكن خروجهم طلبًا للدنيا ، بل كان الخير وفيرًا في المدينة أيام عز الإسلام ورفعة ذروة سنامه ، ولكن دفعهم طلب العلم تعلمًا وتعليمًا إلى الترحال من مكان إلى آخر حتى استقر ببعضهم المقام في تلك البلدان ومنهم من مات بها كما هو الثابت في السير عنهم رضي الله عنهم أجمعين .
أما ما يكون من خروج الناس من المدينة النبوية في آخر الزمان ، فهو المقصود من الأحاديث الدالة على قرب وقوع الساعة ، ولا يخرج منها آنذاك إلا شرارها وحثالتها ، ومن لا دين لهم ولا عقيدة ، ولقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على سكنى المدينة ، ورغب في ذلك ، وأخبر أنه لا يخرج منها أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها من هو خير منه ، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن من علامات الساعة نفي المدينة لخبثها ، وهم شرار الناس ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ ، يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ ، هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا ، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ ، أَلَا إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ ، تُخْرِجُ الْخَبِيثَ ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ" [ أخرجه مسلم وأحمد ] .