يحدثنا التاريخ كيف أن الجبال والصحاري كانت دائمًا عائقًا أمام المطامع الاستعمارية والنوايا الاستغلالية، وهذا ما يجعل أهل هذه الأماكن في أمان، عكس أهل السهول والأودية التي تغري بالتوسع والاستعمار، مما يجعلهم تحت تأثير القوى الأجنبية الغاشمة.
وليس هذا فقط، بل حتى المناطق التي تمتاز بالخيرات الطبيعية فهي دائمًا محط أطماع القوى الكبرى.
وقد سبقت الإشارة إلى أن الكسل والخمول صفة أهل المناطق الحارة، وهذا له تأثيره على الممارسة السياسية والدينية في البلاد.
ويعتقد أن للبيئة دورًا في تلوين الحكم الذي تخضع له أية جماعة بشرية، فقيام الديمقراطية في بلاد اليونان يرجع أسبابه إلى سلاسل الجبال التي جعلت من البيئة أقسامًا صغيرة تستطيع أن تباشر حكم نفسها بنفسها. وحيث تمتد السهول والأودية تقوم نظم الحكم الملكي والإمبراطوري مثلما كان الحال قديمًا في مصر والهند وبلاد فارس (20) إلا أن هذ الرأي يحتاج إلى تمحيص ودلائل.
ويرى ابن خلدون أن النبوات إنما تكون في المناطق الأكثر اعتدالًا، فهو يقول: «ولم نقف على خبر بعثة في الأقاليم الجنوبية ولا الشمالية، وذلك أن الأنبياء والرسل إنما يختص بهم أكمل النوع في خلقهم وأخلاقهم، قال الله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} (آل عمران:110) وذلك ليتم القبول بما يأتيهم به الأنبياء من عند الله» (21) .