ذي سلطان، ولا يبغي إلا المصالح العامة) (53) . ونعرف ذلك عنهم ببرهان الصدق نقتضيه منهم على محك الأيام والأحداث، والصبر على الجهاد (54) .
وبما أننا نتكلم عن الاجتهاد وفقه الواقع، فإنه لامناص من اجتهاد جماعي شوري، يجمع إلى المجتهدين الفقهاء جماعةً من العدول، أولي علم بشؤون الدنيا في مجالاتها المختلفة، اجتماعية، اقتصادية ... وهذا مطابق لما قاله رسوله صلى الله عليه وسلم، فيما أخرجه الطبراني في الأوسط عن علي رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله! إن عرض لي أمر لم ينزل فيه قضاء في أمر ولاسنة، كيف تأمرني؟ قال: (تجعلونه شورى بين أهل الفقه والعابدين من المؤمنين، ولا تقضي فيه برأيك خاصة) .
هذا، وسلطة تنفيذ الفتاوى والأحكام في الأمور العامة للمسلمين إنما يمتلكها الحاكم أو الوالي أو من ينوب عنهما (55) .
إن المتأمل في شريعة الله عز وجل تأمل الفطن، يتضح له كم هي مبنية على أصول إنسانية واسعة، تستهدف إسعاد الإنسان وصونه عن الشرور، تتعامل معه في جميع أحواله، وتتماشى ومختلف أوضاعه ...
إن الشريعة -كما يقول ابن القيم رحمه الله- مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل. فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها (56) .