أشرنا فيما سبق إلى أن الطرف الأول تطرف في اعتبار حرفية النص الديني دون الواقع ... والغريب أن هناك من ظن أنه كتب عن فقه الواقع دون أن يتطرق حقيقة إلى فقه الواقع، حيث رأى أن فقه الواقع هو مجرد حفظ أو معرفة نصوص الكتاب والسنة (52) !!.
وقد أرجع كثير من رواد الحركة الإسلامية ومفكريها سبب تأخرها إلى قصورها في اعتبار الواقع وإغفالها له، يؤكد هذا الدكتور النجار حيث يقول: «ولكن أكثر ما كان يأتيها من فشل في النتائج، أو من ضمور فيها، كان يأتيها من قصور في تمثل الواقع الإنساني، الذي تهدف إلى إصلاحه، وفي امتلاك تصور عميق لطبيعته، ولعناصر تكوينه، وعوامل تفاعلاته» (53) ، وذلك أن الحركة الإسلامية تعاملت مع واقعها المعقد، الطاغية فيه حضارة الغرب، بميراث فقهي وفكري صيغت منه أحكام لقضايا كانت تلح على الأسلاف.
ويقول الدكتور الترابي: «وقد بان لها (أي الحركة الإسلامية) الفقه الذي بين يديها، مهما تفنن حملته بالاستنتاجات والاستخراجات، ومهما دققوا في الأنابيش والمراجعات، لن يكون كافيًا لحاجات الدعوة وتطلع المخاطبين بها، ذلك أن قطاعات واسعة من الحياة قد نشأت من جراء التطور المادي، وهي تطرح قضايا جديدة تمامًا في طبيعتها، لم يتطرق إليها الفقه التقليدي، لأن علاقات الحياة الاجتماعية وأوضاعها تبدلت تمامًا، ولم تعد بعض صور الأحكام التي كانت تمثل الحق في معيار الدين منذ ألف عام تحقق مقتضى الدين اليوم، ولا توافي المقاصد التي يتوخاها، ولأن الإمكانات قد تبدلت وأسباب الحياة قد تطورت، والنتائج التي تترتب عن إمضاء حكم معين بصورته السالفة قد انقلبت انقلابًا تامًا» (54) .
وقد سبق للدكتور الترابي أن أوضح هذا في حوار له مع الأستاذ عمر عبيد حسنه، عندما كان يتكلم عن تجربة الحركة الإسلامية في السودان، حيث قال: « ... وهناك أمر آخر أيضًا، وهو أننا لم ندخل عنصر الواقع إدخالًا تامًا في تقديراتنا، وليس الدين إلا محاولة للتوحيد بين