فانظر أخي كيف تعددت صور الجهاد بتعدد قدرات المخاطب ومؤهلاته!
وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، (أن ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، فقال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصَّدَّقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، فقالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرًا) (49) .
فهؤلاء لا يملكون ما يتصدقون به، وأهل الدثور يعملون الأعمال نفسها ويفوقونهم بصدقاتهم ومن ثم يفوقونهم في الأجر، والنبي صلى الله عليه وسلم مراعاة لقدراتهم يذكرهم بأعمال بسيطة في قدرها عظيمة في ثوابها بمثابة ثواب الصدقة.
وكما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس ويعاملهم حسب أفهامهم وقدراتهم، كان أيضًا يراعي أحوالهم في المنشط والمكره، في الشدة والرخاء، فيقينًا أن ما لا يصلح للإنسان في الرخاء قد يصلح له عند الشدة، وقد رأينا أمثلة من هذا في بعض التشريعات القرآنية.
من ذلك، منع النبي صلى الله عليه وسلم إقامة حد السرقة في الحرب حفاظًا على موقع المسلمين وقوتهم.