أشرنا فيما سبق إلى أن التطرف الثاني دعا إلى تجديد كل قديم بما يناسب العصر، كما أشرنا إلى أن التجديد عند حسن حنفي هو إعادة تفسير التراث طبقًا لحاجات العصر ... (59)
وذلك بدعوى أن العصر تغير، وبالتالي ينبغي الاختيار والوجهة، يقول: «فخطؤنا نحن أننا نأخذ نفس الاختيار بالرغم من تغير حاجات العصر» (60) .
ويرى هذا الطرف أنه مع تغير الأنماط الحضارية واللحظات التاريخية يتغير كل شيء، حتى القيم، فهي تغيرت وتبدلت عندما انتقل التاريخ بالإنسان من الجاهلية إلى الإسلام، وهي قابلة، بل يجب أن تتغير مع التغير الحضاري والتكنولوجي.
يقول الدكتور محمد النويهي: «الحقيقة التي يشهد لها التاريخ هي أن القيم الأخلاقية ليست قوالب ثابتة لا يطرأ عليها التغيير، بل هي في تطور دائم وتبدل مستمر، وسر هذا أنها ليست اعتبارات نظرية بل هي أمور حيوية جدًا، متصلة أشد الاتصال بضرورات المجتمع وظروفه، مرتبطة بنظمه السياسية، وأحواله المادية، وأوضاعه الاقتصادية وطرق تحصيله للرزق، فهي تتغير -أو ينبغي أن تتغير- كلما تغيرت هذه الظروف واختلفت هذه الضرورات» (61) .
ويعيب الدكتور النويهي على أصحاب الاختيار القديم اختيارهم رغم ما يجلب عليهم من أضرار، وخسائر مادية، فالوضع الآن تغير، والأوضاع السابقة لم تعد ملائمة للوضع الجديد، فهذه الحقيقة -في نظره- لا يدركها أو لا يسلم بها كثيرون من أعضاء المجتمع، «فهم يصرون على الاحتفاظ بقيم كانت مناسبة لأحوال وأوضاع ماضية، وربما لم تعد صالحة للظروف الجديدة، وهم في هذا الإصرار يتخذون مواقف عاطفية مشحونة تجعل من العسير مناقشتهم، فهم يسخطون أقوى السخط على من يدعوهم إلى تغيير قيمهم ويظنون به أسوأ