{ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} (المائدة:16) .
-المقام الثاني: تقرير أحوال صالحة قد اتبعها الناس، وهي الأحوال المعبر عنها بالمعروف في قوله سبحانه وتعالى: {يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف:157 ) ) (8) .
فما كان صالحًا من الأحوال لم يلغه القرآن، بل أبقى عليه ما دام لا يعارض مبادئ الإسلام ومصلحة المسلمين، كالطواف والسعي. أما ما كان مناقضًا لذلك فالإسلام ألغاه أو عدله حتى يصبح وفق الإسلام، كتعدد الزوجات وعقوبة القاتل.
وكثير من الأحكام أحال القرآن الحكم والتقدير فيها للعرف والمعروف بين الناس، وذلك لحساسيتها وخطورتها ... والعرف ما تألفه الطباع السليمة ويستحسنه العقلاء، يقول الدكتور وهبة الزحيلي: (ولا يذكر المعروف في القرآن إلا في الأحكام المهمة، مثل قوله تعالى في وصف الأمة الإسلامية: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران:104) ، وفي تبيان الحقوق الزوجية: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ} (البقرة:228) ، وفي الحفاظ على رباط الزوجية، قوله: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} (البقرة:229) (9) .
وقد شرع الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم الأمر بالعرف في قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} (الأعراف:199) .. ومن هنا اعتبر العرف سبيلًا لمعرفة الحكم، وعده بعض الأصوليين مصدرًا تبعيًا من مصادر التشريع الإسلامي.