فساد (44) . فالنبي صلى الله عليه وسلم وجد في قومه كثيرًا من الأحوال والأفعال، فلم ينكرها عليهم ما دامت لا تعارض المقاصد العليا للإسلام، ولا تتناقض مع مبدأ الاستخلاف. من ذلك مثلًا حلف الفضول.
والفكر الإسلامي اليوم، أحوج ما يكون إلى هذا الأصل، حتى يوسع من دائرة معاملاته ومجال حياة المسلمين، فيستوعب هذا الزخم العالمي المتطور في شتى المجالات، ذلك أن الاستصحاب من الظواهر الاجتماعية التي لا تستطيع المجتمعات الانفكاك عنها، إذ لا تستطيع أن تقوم لها حياة، أو يستقيم حالها بدونها، فهو باب لحفظ مقاصد الشريعة.
وفي واقعنا المعاصر، كثيرة هي الأمور التي لم تكن حاضرة زمان نزول الوحي أو زمان الازدهار التشريعي، بل هي جديدة كل الجدة، نتيجة التطور الحضاري والتقدم التكنولوجي والعلمي. وكما نعلم، فإن هذا التطور من صنع الغرب الكافر ... فهل نصدر الحكم ابتداءً، ونقول: حرام ... كفر ... لا يوافق الشرع؟ ما أنزل الله بهذا من سلطان؟ (45) أظن أننا بالإجابة بنعم نكون قد حجرنا واسعًا وضيقنا من دين الله سبحانه وتعالى، وحرفنا قوله عز وجل: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} (البقرة:29) . كما أن فتح الباب دون رقيب أو حسيب يؤدي إلى هدم الشريعة واندثار معالمها. من هنا، كان الاستصحاب ضابطًا وموضحًا ومحددًا لعلاقة الواقع ودعوة الله عز وجل.
يقول الدكتور يوسف القرضاوي: (لا ينبغي أن نجعل أكبر همنا مقاومة كل جديد، وإن كان نافعًا، ولا مطاردة كل غريب وإن كان صالحًا، وإنما يجب أن نفرق بين ما يحسن اقتباسه وما لا يحسن، وما يجب مقاومته وما لا يجب، وأن نميز بين ما يلزم فيه الثبات والتشدد، وما تقبل فيه المرونة والتطور) (46) .
وسبق أن تكلمنا في الفصل الأول عن العلوم الإنسانية، وعن مدى الأخذ بها، وهي من أصل غربي، ونؤكد هنا أن هذا الموضوع نفسه يدخل في دائرة الاستصحاب.