فكانت آيته الكبرى [1] هي العصا تكون في يده عصا جامدة لا حسَّ فيها، فيُلقِيها فإذا هي حيَّة تسعى؛ ولذلك لَمَّا حشَر فرعون السَّحَرة بحبالهم وعصيِّهم حتى خُيِّلَ إلى الرائي من سِحرهم أنها تسعَى، وألقى موسى عصاه فإذا هي تلقَفُ ما يأفكون، كان أوَّل مَن آمَن بالله هم السَّحرة؛ لأنهم علموا علمَ اليقين أنَّ عصا موسى ليست من السِّحر في شيء، وأنَّ ذلك لن يكون إلا من فعل القهَّار الذي لا يُغالب، اقرأ قول الله - تعالى - في سورة طه: {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} [طه: 65 - 67] .
فلم يجدْ فرعون - كما هو شأن المغلوب المكابر - بدًّا من أنْ يرميهم بأنَّه كبيرهم الذي علَّمهم السِّحر، وتوعَّدهم بتقطيع أيديهم وأرجلهم س خِلافٍ، وتصليبهم في جُذوع النَّخل.
فلم ينلْ منهم التهديد ولا الوعيد؛ لأنهم آمَنُوا عن يقينٍ فقالوا: {لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 72 - 73] .
(1) أعطى الله موسى - عليه السلام - تسع آيات؛ قال - تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الإسراء: 101] ، وقال في سورة النمل: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [النمل: 12] وهذه الآيات هي:
(1) العصا
(2) اليد
(3) الجراد
(4) القمل
(5) الضفادع
(6) الدم
(7) الطوفان
(8) السنون
(9) نقص الثمرات
والعلماء وإن اتَّفقوا على العدة إلا أنَّ بعضهم يضَعُ البعض مكانَ الآخر كفلق البحر؛ فإنَّ بعضهم عدَّه بدل نقص الثمرات على اعتبار أنَّ السنين - أي: الجدب - ونقص الثمرات شيءٌ واحد، انظر:"تفسير ابن كثير"في هذه الآية من سورة الإسراء.