لا يمكن لحكيمٍ مهما سما وبلَغ من الرُّقيِّ والمعرفة أنْ يَضَعَ تشريعًا عامًّا يُحقِّق جميعَ ما يحتاجُ إليه البشَر في دُنياهم، ولا أنْ يُبيِّن بالتفصيل أحوالَ هذه الحياة الأخرى، والطريق إلى الفوز فيها؛ لأنَّها حياةٌ مُغيَّبة عنه، لا يحيطُ بها إلا علاَّم الغيوب، وهو الله - جلَّ جلالُه.
والنابغون من البشَر مهما كانوا فعِلمُهم قاصرٌ؛ فهم إنْ أحاطوا علمًا ببيئتهم فلن يعلَمُوا جميعَ البيئات، وإنْ أدرَكُوا ما يكونُ في زمنهم ممَّا يجلب نفعًا أو يدفع ضررًا فلن يُدرِكوا ما سيكون بعد زمنهم.
ثم هم إلى ذلك عرضةٌ لتغلُّب الأهواء والشَّهوات، والاستجابة للغرائز النفسيَّة، والوساوس الشيطانيَّة، والخضوع لسُلطان البيئة ... إلى غير ذلك ممَّا يجعَل أحكامهم وقوانينهم عرضةً للطَّعن والتجريح.
وإذا كان العَقل البشري مهما سمَا وبلَغ من العِلم بمعزلٍ عن هذه المنزلة، وهي تحقيقُ السعادتَيْن: الدنيويَّة والأخرويَّة، فيتحتَّم بالضرورة أنْ يكونَ الواضع لهذا التشريع هو الله - سبحانه - الذي أحاطَ بكلِّ شيءٍ خبرًا، وعَلِمَ ما كان وما يكون، ووسِعَتْ رحمتُه كلَّ شيءٍ، وتنزَّه عن العبَث والسَّفَه، والهوى والشهوة، وصدَق الحقُّ - تبارك وتعالى - حيث أشار إلى ذلك بقوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: 115] ، وقوله: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71] .
وقد شاءَ الله - عزَّ شأنُه وجلَّت حِكمتُه - أنْ يكون المبلِّغ لهذا التشريع الإلهي السَّماوي فئة من البشر، وهم المصطفون الأخيار، وهم الرُّسل - عليهم الصلاة والسلام - فالرسل هم هُداة البشريَّة وأُساتُها، وهم جمالها وكَمالها، ومنزلهم من البشريَّة بمنزلة الرُّوح من الجسَد، وهل يحيَى جسد بدون روح؟