معجزة النبيِّ الكُبرى وهي القُرآن ثابتةٌ بالتواتُر المفيد للقطع واليقين بلا ريب، أمَّا المعجزات الأخرى فمنها ما ثبَتَ بالتواتُر [1] ؛ وذلك كالمعجزات التي وردَتْ في القرآن الكريم أو وردت في الأحاديث المتواترة، ومنها ما لم يثبُت بالتواتر بل ثبت بالروايات الأحاديَّة الصحيحة؛ وذلك كالمعجزات الثابتة بالأحاديث التي لم تتواتر، ومن هذه ما استفاضَ واشتهر برواية الأئمَّة العدول الثقات حتى كاد يلحق بالمتواتر.
قال الحافظ ابن حجر في"فتح الباري بشرح صحيح البخاري" [2] :"وأمَّا ما عدا القرآن من نبْع الماء بين أصابعه وتكثير الطعام، وانشقاق القمر ونُطق الجماد فمنه ما وقَع التحدِّي به، ومنه ما وقع دالاًّ على صِدقه من غير سبق تحدٍّ، ومجموع ذلك يُفِيدُ القطع بأنَّه ظهَر على يده - صلَّى الله عليه وسلَّم - من خَوارق العادات شيء كثير، كما يقطع بوجود جود"حاتم"- يعنى: الطائي - وشجاعة علي، وإنْ كانت أفراد ذلك ظنيَّة وردت موردَ الآحاد، مع أنَّ كثيرًا من المعجزات النبويَّة قد اشتهر وانتشر ورَواه العدد الكثير، والجم الغفير، وأفاد الكثيرُ منها القطعَ عند أهل العلم بالآثار، والعناية بالسير والأخبار، وإن لم يصلْ عند غيرهم إلى هذه الرُّتبة لعدم عنايتهم بذلك، بل لو ادَّعَى مُدَّعٍ أنَّ غالب هذه الوقائع مفيدة للقطع بطريقٍ نظري لم يكن مستبعدًا".
ومن هذه المعجزات الحسيَّة الإسراء برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي شرَّفَه الله وبارَك فيما حوله، ثم العُروج به من تلك البقعة المباركة إلى السَّماوات السبع وما فوقهنَّ، حتى انتهى إلى مستوى لم يصلْ إليه غيرُه، وسنفيض القول في هاتين المعجزتين عن قريبٍ.
(1) المتواتر من الأخبار ما رواه جماعةٌ كثيرةٌ عن جماعةٍ يحيلُ العقل تواطُؤهم على الكذب، وكان مَرجِعُ الخبر إلى الحسِّ والمشاهدة، وهو قسمان: لفظي ومعنوي، فاللفظي: ما اتَّفقت فيه الرِّوايات على لفظٍ واحد، كحديث: (( مَن كذب عليَّ مُتعمِّدًا فليتبوَّأ مقعدَه من النار ) )، والمعنوي: ما اختلفت فيه الروايات في اللفظ ولكن المعنى واحد؛ كالروايات الدالَّة على شَجاعة سيِّدنا علي مثلًا، فهي بألفاظٍ مختلفة وفي مواطن متعدِّدة، ولكنها تدلُّ على قدرٍ مشترك وهو الشجاعة، والقسم الأول نادرٌ في الأحاديث والثاني كثير.
(2) "فتح الباري": ج 6، ص 453، ط. البهية.