وأثنى عيسى - عليه السلام - على ربِّه - عزَّ وجلَّ - فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته، وجعل مثَلي كمثَل آدم خلَقَه من ترابٍ ثم قال له: كُنْ، فيكون، وعلَّمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفُخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وجعلني أُبرِئ الأكمَهَ والأبرَص، وأحيي الموتى بإذن الله، ورفعني وطهَّرني، وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل.
وأثنى محمد - صلوات الله وسلامه عليه - على ربِّه - عزَّ وجلَّ - فقال: (( كلُّكم أثنى على ربه، وأنا مثنٍ على ربي: الحمد لله الذي أرسَلنِي رحمةً للعالمين، كافَّة للناس بشيرًا ونذيرًا، وأنزل عليَّ الفُرقان فيه بيانٌ لكلِّ شيء، وجعل أمَّتي خير أمَّة أُخرِجت للناس، وجعل أمَّتي أمَّة وسَطًا، وجعل أمَّتي هم الأوَّلون وهم الآخِرون، وشرَح لي صدري، ووضَع عنِّي وِزري، ورفَع لي ذِكري، وجعلني فاتحًا وخاتمًا ) ) [1] .
فقال إبراهيم الخليل - عليه السلام: بهذا فضلكم محمد - عليه الصلاة والسلام.
لقد كان ليلة الإسراء والمعراج من الليالي الزَّهراء، فقد شاهَد النبي فيها سواء في مَسراه في الأرض، وعُروجه إلى السماء - ما شاء الله له أنْ يشاهد من الآيات والآلاء، وتملَّت العينان ممَّا رأى، و {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 17] ، ووعَى القلب الكبير ما رأَتْه العينان، و {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: 11] ، وامتلأ بجلال الله وعظمته، ونُوره وتجلِّياته، وقد شاء الله أنْ تُضرَب الأمثالُ للنبي في هذه الليلة الميمونة ذات البركات، ووَراء هذه الأمثال ما وَراءها من العِبَرِ والعِظات، والإشارات والبشارات، وللأمثال عند بني الإنسان - ولا سيَّما العرب - شأنٌ وأي شأن، فهي تريك المعقول في صُورة المحسوس، والغائب في صور المُشاهَد، والمأمول المرتقَب في صُورة الواقع المحقَّق، وهي بما فيها من دقَّة التصوير، وسموِّ التعبير عن الغرض المقصود، تستَولِي على النُّفوس، وتهزُّ أوتار القلوب، فلا عجب أنْ ضُرِبت الأمثال للنبيِّ في مَسراه، وصُوِّرتْ تصويرًا دقيقًا مُعبِّرًا،
(1) يعني: خاتمًا للأنبياء، وفاتحًا للشفاعة يوم القيامة.