في ذلك ما أخرَجَه النسائي بإسنادٍ صحيح وصحَّحه الحاكم أيضًا من طريق عِكرمة عن ابن عباس قال:"أتعجبون أنْ تكون الخلَّة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد"عليهم الصلاة والسلام، وأخرجه ابن خزيمة بلفظ:"إنَّ الله اصطَفَى إبراهيم بالخلَّة، وموسى بالكلام، ومحمدًا بالرؤية".
ومن الروايات المقيدة ما أخرجه مسلم في"صحيحه"بسنده عن ابن عباس في قوله - تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: 11] ، {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13] ، قال: رآه بفُؤاده مرَّتين؛ أي: إنَّ المراد بالرؤية في هاتين الآيتين رؤية النبيِّ ربَّه - عزَّ وجلَّ - مرتين: ومعنى قوله: {نزلة أخرى} على رأي ابن عباس أنَّه كان للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عرجات في تلك الليلة لأجْل التخفيف من أعداد الصلوات، فيكون لكلِّ عرجة نزلة، فرأى ربه في بعضها [1] .
وأصرَحُ من ذلك ما رواه ابن مردويه من طريق عَطاء عن ابن عباسٍ قال:"لم يره رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بعينه، إنما رآه بقلبه".
وعلى ذلك فيكون التحقيق الذي لا محيص منه أنَّ رأي ابن عباس في الرؤية إنما هي بالقلب لا بالبصَر، وأمَّا كونها بالبصر فلم يثبتْ عنه ذلك ولا عن غيره من الصحابة، قال العلامة ابن كثير في"تفسيره"ج 8 ص 101 بعدما ساق رواية مسلم عن ابن عباس: "وفي روايةٍ عنه أنَّه أطلق الرؤية، وهي محمولةٌ على المقيَّدة بالفؤاد، ومَن روي عنه بالبصر فقد أغرب؛ فإنه لا يصحُّ في ذلك شيءٌ عن الصحابة - رضِي الله عنهم - وقول البغوي في"تفسيره": وذهبت جماعةٌ إلى أنَّه رآه بعينه - وهو قول أنس والحسن وعِكرمة - وفيه نظر، والله أعلم".
وقد نفى العلامة ابن قيم الجوزيَّة عن الإمام أحمد أنَّه قال:"رآه بعينَيْ رأسِه"، وقال: إنَّ مَن حكى ذلك عنه فقد غلط، قال ابن القيم نقلًا عن شيخه ابن تيميَّة:"ولكن لم يقلْ أحمد - رحمه الله تعالى - أنَّه رآه بعيني رأسه يقظةً، ومَن حكَى عنه ذلك فقد وَهِمَ، ولكن قال مرَّة: رآه، ومرَّة قال: رآه"
(1) وأمَّا على رأي السيدة عائشة فمعنى {نزلة أخرى} : مرَّة أخرى؛ وذلك لأنَّ النبيَّ رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها مرتين: مرَّة وهو نازل من غار حراء، ومرَّة بالسماء ليلة المعراج عند سِدرة المُنتَهى.