فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 68

الحق أنَّ الإغراب على القرَّاء بمثل هذه الأفكار المسمومة تشكيكٌ لهم في عَقائدهم الصحيحة، وتسميمٌ لعقولهم بالآراء الزائفة، والحقُّ أبلجُ واضحٌ لا يحتاج إلى تكلُّف وتعمُّل وتفلسُف من غير داعٍ {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86] .

يَكادُ يجمع العلماء المحقِّقون على أنَّ الإسراء والمعراج كانا بعد البَعثة المحمديَّة، وأنهما كانا في اليقَظَة لا في المنام.

وقد تظاهرت على هذا الرواياتُ المُتَكاثِرة في كتب الحديث المعتمَدة المشهورة، وكتب السِّيَرِ الموثوق بها.

وما رُوِي من أنهما كانا قبلَ أنْ يُوحَى إليه، أو أنهما كانا منامًا كما في حديث شريك بن عبدالله [1] عن أنس فهو غلط من شريك، وقد خالَف فيه شريكٌ أصحابَ أنس في إسناده [2] ، ومتنه بالتقديم والتأخير، والزيادة المنكرة، وأشدُّ أوهامه - أغلاطه - قولُه: سمعت أنس بن مالك يقول: ليلةَ أسرى برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من مسجد الكعبة أنْ جاءه ثلاثةُ نفرٍ قبل أنْ يُوحَى إليه"."

والإمام البخاري قد أخرج في"صحيحه"الرواية الصحيحة عن أنس في عدَّة مواضع من كتابه، وذكر أيضًا هذه الرواية التي وقَع فيها الغلط، ولعلَّ ذلك ليُنبِّهنا إلى ما فيها من غلط، وللإمام البخاري في سوق الروايات والمتون المكرَّرة شُفوف نظَر، ومقاصد دقيقة لا يَقِفُ عليها إلا مَن أطال النظر في هذا الكتاب الجليل.

وقد نبَّه على غلط شريك بن عبدالله في روايته الإمامُ مسلم بن الحجاج في"صحيحه"فقد قال بعد ذكر سند رواية شريك:"وساق الحديث بقصته نحو حديث ثابت البناني، وقدم فيه شيئًا وأخَّر، وزاد ونقص" [3] .

وأنكر ما في حديث شريك من أوهام أيضًا الأئمَّة: الخطابي، وابن حزم، والقاضي عياض، والنووي وغيرهم.

(1) شريك بن عبدالله بن أبي نمر، تابعي مدني وهو أكبر من شريك بن عبدالله النخعي القاضي.

(2) يعني: أصحابه الذين روَوْا له.

(3) "صحيح مسلم بشرح النووي"ج 2 ص 217.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت