الفصل الثاني
قبيل الإسراء والمعراج
ها هي قريش وقفَتْ عقبةً كؤودًا في سبيل الدعوة الإسلاميَّة، وعادَتِ الرسول وأصحابه، ولَجَّت في العَداوة والإيذاء، وتجاوَزَتِ الحدَّ في الطُّغيان؛ فقاطعت كلَّ مَن ينتَصِر للنبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولو حميَّةً ممَّن كان على دِينهم، كما حدَث في مسألة الصحيفة التي آلوا فيها على أنفُسهم مقاطعة بني هاشم والمطلب حتى بلغ الجَهد مهم مَبلَغَه.
وها هي الأحداثُ المحزنة تتوالَى؛ فأبو طالب شيخُ قريش ومانعُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من أذى قريش وناصره تَنزِل به المنيَّة ويزيد من هول الفجيعة موتُ السيدة المهيبة في قومها خديجة بنت خُوَيلِد زوجه التي واسَتْه بنفسها ومالها، والتي كانت له وزيرةَ صِدقٍ تُعِينه عند الشدائد، وتُسرِّي عن نفسه عند البلاء، بما عُهِدَ عنها من عقلٍ حصيف، وقلبٍ رحيم، وصدرٍ حنون، وعِبارات تغسل أثَر الألم، وتزدادُ إساءات قريش للنبيِّ وصحبه، وتقفُ من الدعوة المحمديَّة موقفَ العناد والإباء والتمنُّع، فيبدو للنبيِّ أنْ يُيمِّمَ وجهه شطرَ الطائف؛ عسى أن يجد فيها مُتنفَّسًا للدعوة إلى سبيل ربِّه، فذهب ومعه حِبُّه ومولاه زيد بن حارثة إلى الطائف، وهنالك اتَّصل برُؤَساء ثقيف: عبدياليل ومسعود وحبيب أولاد عمرو ابن عمير الثقفي، فعرَض عليهم الإسلامَ ونُصرته حتى يُبلِّغ رسالة ربِّه، فردُّوا عليه ردًّا قبيحًا، وكانوا أسوَأ حالًا من أهل مكَّة، فرجَا منهم أنْ يكتُموا أمره معهم على قريش حتى لا يشتد إيذاؤهم له، فما وجَد منهم مروءةً ولا عهدًا، وأغروا به سُفَهاءهم وصِبيانهم يَرجُمونه بالحجارة حتى سالَ الدمُ الذكي من عقبَيْه، وزيد - رضِي الله عنه - يدرَأُ عنه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
فلجأ إلى ظِلِّ شجرةٍ بجوار بستانٍ لشيبة وعتبة ابني ربيعة فكأنهما رقَّا له لما نزل به، فأرسَلا له غُلامًا لهما يُسمَّى"عداسًا"بقطفٍ من عنب، فلمَّا ابتدأ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يأكُل قال: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال عداس: هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد! فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( من أي البلاد أنت؟ وما دينك؟ ) )قال: أنا نصراني من"نينوى"فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( من بلد العبد الصالح يونس بن متى؟ ) )فقال عداس: وما علمك به؟ فقرَأ