مَقام رُوحه واستقراره إلى يوم مَعاد الأرواح إلى أجسادها، فرآه يُصلِّي في قبره ورآه في السماء السادسة.
كما أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - في أرفَعِ مكانٍ في الرَّفيق الأعلى مستقرًّا هناك وبدَنُه في ضريحه غير مفقود، وإذا سلَّم عليه المسلِّم ردَّ الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام ولم يفارق الملأ الأعلى.
ومَن كثف إدراكه وغلظت طباعه عن إدراك هذا، فلينظُر إلى الشمس في علوِّ محلها وتعلُّقها، وتأثيرها في الأرض وحياة النبات والحيوان بها.
هذا، وشأن الروح فوق هذا؛ فلها شأنٌ وللأبدان شأن، وهذه النار تكون في محلِّها وحَرارتها تُؤثِّر في الجسم البعيد عنها مع أنَّ الارتباط الذي بين الروح والبدن أقوى وأكمل من ذلك وأتَمُّ، فشأن الروح أعلى من ذلك وألطف" [1] ."
وهذا الفصل القيِّم من النَّفاسة بمكانٍ آثَرتُ ذِكره كله؛ لما فيه من الفوائد الجمَّة، والإبانة عن مسألةٍ كثيرًا ما يسأل الناس عنها وهي تعلُّق الأرواح بالأجساد.
ولا يفوتُني وقد عرَضتُ لآراء في الإسراء والمعراج وبيَّنت الصحيح منها من الزائف أنْ أُعرِّج على رأيٍ ساقه الدكتور محمد حسين هيكل - رحمه الله - في كتابه"حياة محمد"- عليه الصلاة والسلام - وهو تصويرُ الإسراء والمعراج تصويرًا روحيًّا مبنيًّا على فكرة"وحدة الوجود".
وهاكَ ما ذكره في كتابه بعد ما ذكر خلاف العلماء في الإسراء والمعراج أهو بالجسد أم بالروح؟ قال:"ففي الإسراء والمعراج في حياة محمَّدٍ الروحيَّة معنى سامٍ غاية السموِّ، معنى أكبر من هذا الذي يُصورون، والذي قد يَشُوب بعضه من خَيال المتكلمين حظٌّ غير قليل، فهذا الروح القويُّ قد اجتمعت فيه في ساعة الإسراء والمعراج وحدة هذا الوجود بالغة غايةَ كمالها، لم يقفْ أمامَ ذهن محمد وروحه في تلك الساعة حجابٌ من الزمان أو المكان، أو غيرهما من الحجب التي تجعل حُكمنا نحن في الحياة نسبيًّا محدودة بحدود قوانا المحسَّة، والمدبَّرة، والعاقلة تَداعَتْ في هذه الساعة كلُّ الحدود أمامَ بصيرة محمد، واجتَمعَ الكون كلُّه في روحه؛ فوَعاه منذ أزله إلى أبده، وصوَّره في تطوُّر"
(1) "زاد المعاد في هدي خير العباد": ج 2 ص 48 - 49 ط الحلبي.