فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 68

قال: في المنام، فإنما أراد حُدوث صور وانكِشافات للرُّوح فيما وَراء الحسِّ من عالم الغيب من غير انتِقال ومُفارقة للبَدَن.

وقد تنبَّه إلى هذا الفرق الدقيق العلاَّمة ابن القيِّم في كتابه"زاد المعاد"قال:"وقد نقَل ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنهما قالا: إنما كان الإسراء برُوحه ولم يفقدْ جسده، ونقل عن الحسن البصري نحو ذلك."

وممَّا ينبغي أنْ يُعلَم الفرق بين أنْ يُقال: كان الإسراء مَنامًا وبين أنْ يُقال: كان بروحه دون جسَدِه وبينهما فرقٌ عظيم، وعائشة ومعاوية لم يقولا: كانا مَنامًا، وإنما قالا: أُسرِي بروحه ولم يفقدْ جسَده، وفرقٌ بين الأمرين: فإنَّ ما يراه النائم قد يكون أمثالًا مضروبة للمعلوم في صُورة المحسوس فيرى كأنَّه قد عرج به إلى السَّماء، أو ذهب به إلى مكَّة، وأقطار الأرض، ورُوحه لم تصعدْ ولم تذهب وإنما ملك الرُّؤيا ضرَب المثال.

والذين قالوا عُرِجَ برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - طائفتان: طائفة قالت: عُرِجَ بروحه وبدنه، وطائفة قالت: عُرِجَ بروحه، ولم يفقدْ بدنه [1] ، وهؤلاء لم يريدوا أنَّ المعراج كان مَنامًا، وإنما أرادوا أنَّ الرُّوح ذاتها أُسرِي بها وعُرِجَ بها حقيقة، وباشَرتْ من جنس ما تُباشِر بعد المفارقة، وكان حالها في ذلك كحالها بعد المفارقة في صُعودها إلى السماوات سماءً سماءً حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فتقف بين يدي الله - عزَّ وجلَّ - فيأمُر فيها بما شاء، ثم تَنزِل إلى الأرض فالذي كان لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليلة الإسراء أكمَلُ ممَّا يحصل للروح عند المفارقة، ومعلومٌ أنَّ هذا أمرٌ فوق ما يراه النائم، لكن لَمَّا كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في مَقام خرْق العوائد حتى شُقَّ بطنُه وهو حيٌّ لا يتألَّم بذلك عرج بذات روحه المقدَّسة من غير إماتة، ومَن سواه لا ينال بذات روحه الصُّعود إلى السماء إلا بعد الموت والمفارقة، والأنبياء إنما استَقرَّتْ أرواحهم هناك بعد مُفارَقة الأبدان، ورُوح رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - صعَدتْ إلى هناك في حال الحياة ثم عادت، وبعدَ وَفاته استقرَّت في الرفيق الأعلى مع أرواح الأنبياء، ومع هذا فلها إشرافٌ على البدن وإشراقٌ وتعلُّقٌ به، بحيث يردُّ السلام على مَن سلَّم عليه، وبهذا التعلُّق رأى موسى قائمًا يُصلِّي في قبره، ورآه في السماء السادسة، ومعلومٌ أنَّه لم يعرج بموسى من قبره ثم ردَّ إليه، وإنما ذلك

(1) وهناك طائفة ثالثة تقول: كان في المنام، كما ذكرنا وردَدْنا قولهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت