فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 68

إلى المسجد الحرام، فجاء إليه أبو جهلٍ، وهو جالسٌ يُفكِّر، فقال للنبي: هل من خبر؟ قال: (( نعم ) )قال: وما هو؟ قال: (( أُسرِي بي الليلة ) )قال: إلى أين؟ قال: (( إلى بيت المقدس ) )قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟! قال: (( نعم ) )قال: أرأيت إنْ دعوت قومَك أتحدِّثهم بما حدَّثتني به؟ فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( نعم ) )، فصار أبو جهل ينادي بُطون قريش، فأقبلوا، فقصَّ عليهم رسول الله القصة، فصاروا ما بين مُصفِّق وواضع يده على رأسه تعجُّبًا، وارتدَّ جماعةٌ من ضُعَفاء الإيمان، وصار حديث الإسراء مَشغَلة المجتمع القرشي في كلِّ مجلسٍ ونادٍ.

وسعى رجالٌ إلى سيِّدنا أبي بكر - رضِي الله عنه - يُخبِرونه، فقال كلمة الإيمان: لئنْ كان قد قال ذلك لقد صدَق، فقالوا له: أتُصدِّقه على ذلك؟ قال: إني لأُصدِّقه على أبعد من هذا، أُصدِّقه على خبر السماء [1] .

فسُمِّي أبو بكر - رضي الله عنه وأرْضاه - من ذلك اليوم صِدِّيقًا.

وجاء دور الاختبار، وكان الكثيرون من المشركين يعرفون بيتَ المقدس وأوصافه؛ لكثْرة تردُّدهم عليه في تجاراتهم وأسفارهم، فسألوا النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن أوصاف المسجد الأقصى، ولم يكن النبي رآه إلا في هذه الليلة، وقد كان في شُغل شاغل عن الإحاطة بالوصف، والواحد منَّا قد يغشى مسجدَ الحيِّ طِيلة عُمره، ومع هذا تسأله عن أساطينه أو شَبابيكه فلا يدري، فلا عجب إذا كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد كرب كربًا شديدًا لم يكرب مثله قطُّ، ولكنَّ الله الذي أسرى به، ورفَعَه فوق السبع الطِّباق، وأيَّدَه بروحٍ منه أزالَ الحجب والموانع، وجلاَّه له حتى صار مَرئيًّا له فجعل يَنظُر إليه ويصفه لهم بابًا بابًا وموضعًا موضعًا، فبهتوا وقالوا: أمَّا الوصف فقد أصاب.

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما [2] أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال - وهذا لفظ البخاري: (( لَمَّا كذبتني قريش قُمتُ في الحجر فجلَّي الله لي بيت المقدس [3] فطفقت أُخبِرهم عن آياته وأنا أنظُر إليه ) ).

(1) يريد - رضِي الله عنه - مجيء جبريل - عليه السلام - بالوحي من السماء في زمن وجيز من ليلٍ أو نهار.

(2) "صحيح البخاري"ج 5 صر 66،"صحيح مسلم بشرح النووي"ج 2 ص 237.

(3) الظاهر أنَّه جلاَّه له من غير انتقال، وأنَّه أزال له الحجب والموانع حتى كأنَّه ماثِلٌ أمامَه، ولا أدرى كيف يستبعد البعض مثلَ هذه المعجزة وقد توصَّل العقل البشري قي عصرنا إلى اختراع"التليفزيون"فيرى الرائي فيه صورةَ أيِّ شيء، حتى ولو كان بينهما آلاف الأميال، فإذا توصَّل الإنسان - على قُصوره - إلى هذا، أفنستَبعِدُ هذه المعجزة على قُدرة صانع البشَر وخالق القُوى والقُدَر، والعليم بما كان وما يكون؟!

ويشهد لذلك التوجيهِ ما رواه مسلمٌ في"صحيحه"بسنده عن أبي هريرة - رضِي الله عنه - قال: (( لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتْها، فكربت كربة ما كربت مثله قط، قال: فرفعه الله لي أنظُر إليه ما يسألوني عن شيءٍ إلا أنبأتهم به ) )؛"مسلم بشرح النووي"ج 2 ص 238.

وقيل: إنَّ الله أحضر له بيت المقدس حتى صار على مَقربة منه، وليس ذلك بعزيزٍ على الله؛ فقد أحضر الذي عنده علم من الكتاب عرش بلقيس أمام سليمان في أسرع من لَمْحِ العين كما حكَى ذلك القرآن الذي لا يتطرَّق إليه شك أو ارتياب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت