وَسَلَوْهُ وَحَنَّ جِذْعٌ إِلَيْهِ = وَقَلَوْهُ وَوَدَّهُ الغُرَبَاءُ
ومن المعجزات الحسيَّة ردُّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - عينَ قتادة بن النعمان لَمَّا أصيب يومَ أحدٍ وسقطت على وجنته، فعادت أحسنَ عينه وأحدَّهما.
ولَمَّا دخَل عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان على الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز - رضي الله تعالى عنه - قال له: مَن أنت؟ فقال مرتجلًا:
أَنَا ابْنُ الَّذِي سَالَتْ عَلَى الخَدِّ عَيْنُهُ = فَرُدَّتْ بِكَفِّ الْمُصْطَفَى أَحْسَنَ الرَّدِّ
فَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ لأَوَّلِ أَمْرِهَا = فَيَا حُسْنَهَا عَيْنًا وَيَا حُسْنَ مَا خَدِّ
قال عمر بن عبدالعزيز متمثِّلًا بقول الشاعر:
تِلْكَ الْمَكَارِمُ لاَ قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ = شِيبًا بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالاَ
وهذا قل من كثرٍ من مُعجِزاته - صلَّى الله عليه وسلَّم - الباهرات وآياته البيِّنات.
وقد دَعاني إلى تفصيل القول في المعجزات النبويَّة الحسيَّة ما يَزعُمه بعض الباحثين الكاتبين من أنَّه ما دام القُرآن آيةٌ دالَّة على صِدق النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فنحن في غنيةٍ عن النظَر في غيره من الآيات، ولا سيَّما والكثير منها لم يَثبُتْ إلا بالطُّرق الأحاديَّة التي لا تفيدُ القطع، وكثيرًا ما يجرُّهم هذا الكلام المتلبِّس بالتستُّر إلى إنكار المعجزات الحسيَّة جملةً، وأحبُّ أنْ أقول لهؤلاء: إنَّ موقفهم من المعجزات الحسيَّة وإنكارها حَدَا ببعض المبشِّرين والمستشرِقين إلى الطَّعن في النبي والوحي المحمدي؛ بحجَّة أنَّ النبيَّ ليس له من المعجزات الحسيَّة المتكاثِرة ما لموسي وعيسى - عليهما الصلاة والسلام - وهكذا نراهُم - وإنْ لم يقصدوا - قد أعطوا لأعداء النبيِّ الطاعنين فيه خِنجَرًا يُساعِدهم على الطَّعن فيه والنَّيْل منه.
وردِّي على هؤلاء الْمُنكِرين للمُعجِزات الحسيَّة أو التقليل من شأنها: أنَّ الشيء إذا تواردت عليه الأدلَّة والبراهين ازداد قوَّة وثَباتًا حتى يصلَ العلم به إلى عين اليقين، وليس من شكٍّ في أنَّ انضِمام المعجزات الحسيَّة إلى المعجزة الكبرى المعنويَّة وهي القُرآن؛ ممَّا يعود بالقوَّة واليقين على الرِّسالة المحمديَّة ويقطع على الأقل قالةَ أعداء الإسلام ونبيِّه، ولا أدري أي حجة لهم في استِبعاد المعجزات الحسيَّة وإنكارها، وها هي كُتُبُ الله المنزلة جميعُها تُثبِت لأنبياء الله ورسله آياتٍ تَفُوق الحصر؟!