قال البخاري: حدثنا هُدْبةُ بن خالد، قال: حدثنا همام بن يحيى، قال: حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حدَّثهم عن ليلةَ أُسرِي به قال: (( بينما أنا في الحطيم - وربما قال في الحجر [2] - مضطجعًا إذ أتاني آتٍ فقدَّ [3] قال - أي: قتادة - وسمعته يقول: فشقَّ ما بين هذه إلى هذه، فقلت للجارود [4] : ما يعني به؟ قال: من ثُغرة نَحرِه إلى ثنَّته [5] (( فاستخرج قلبي، ثم أُتِيتُ بطستٍ من ذهبٍ مملوءة إيمانًا وحِكمة [6] ، فغُسِلَ قلبي ثم حُشِي ثم أُعِيدَ، ثم أُتِيتُ بدابَّة دُون البَغل، وفوقَ الحمار أبيض ) )، فقال له الجارود: هو البراق [7] يا أبا حمزة - كنية أنس؟ قال أنس: نعم، (( يضع خطوه عند أقصى طَرْفِه [8] ، فحُمِلتُ عليه، فانطَلقَ بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح [9] فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومَن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسِل إليه؟ [10] قال: نعم، قال: مرحبًا به، فنِعمَ المجيء جاء، ففتح، فلمَّا خلصت فإذا فيها آدمُ، فقال: هذا أبوك آدم فسَلِّمْ عليه، فسلَّمت عليه فردَّ السلام ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح [11] .
(1) انظر: باب المعراج من"صحيح البخاري"ج 5 ص 66.
(2) الحطيم: هو الحجر على الصحيح، والراوي لَمَّا لم يتأكَّد أيَّ اللفظين قال، ذكرها على صِيغة الشكِّ ليخرج من العُهدة، وهي أمانةٌ في النقل مشكورةٌ.
(3) القدُّ: هو القطع.
(4) لعله الجارود بن أبى سبرة البصري صاحب أنس وأحد الرُّواة عنه.
(5) الثُّغرة: المكان المنخفِض بين الترقوتَيْن، والثُّنَّة بضَمِّ الثاء وتشديد النون: ما تحت السرَّة.
(6) يعني: مملوءة بشيءٍ يترتَّب عليه زيادةُ الإيمان وكمالُ الحكمة.
(7) بضمِّ الباء وتخفيف الراء مشتقٌّ من البرق؛ إذ سرعته في سيره مثل سرعة البرق في لمعانه.
(8) يعني: عند منتهى بصره، وما أشدَّ سرعةَ مَن كان على هذا الحال!
(9) يعني: طلب الفتح.
(10) يعني: أوقد أرسل إليه للعروج إلى السماء، وأمَّا أصل بعثته فمشهورةٌ عند الملأ الأعلى معروفة لهم.
(11) اقتصر الأنبياء الذين لقيَهُم في السماء على وصْفه - صلَّى الله عليه وسلَّم - بصفة الصَّلاح لأنَّ فيها جماعَ الخبر كله، والصالح هو: الطيِّب في نفسه الذي يقومُ به عليه من حُقوق الله وحُقوق العباد.