فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 68

ومن عمَلِه وصُنعه، وهي جاريةٌ على السنن الكونيَّة المعروفة وليستْ خارجة عنها، وما سمعنا مخترعًا ادَّعى النبوَّة باختراعه؛ لأنَّه يعلَمُ أنَّه لو فعل وتحدَّى الناس فسرعان مَن يقوم من البشر، فيأتي بمثْل ما أتى به إنْ لم يكن أغرب منه، ويردُّ عليه دَعواه.

أنَّ العجزة غير معروفة السبب العادي لنا بخِلاف السِّحر، فهو وإنْ خفي في الظاهر على كثيرٍ من الناس ممَّا يعلمه بعضهم، وله قواعد وأسباب يتوصَّل بها إليه، وكثيرٌ ممَّا نظنُّ أنَّه سحرٌ لا يعدو أنْ يكون خَيالًا وخفَّة يد وشعوذة، فكن على بيِّنة من ذلك، ولا يشكلنَّ عليك الأمر، فيلتبس الباطل بالحقِّ المبين، فشتَّان ما بين صُنع الله ربِّ العالين، وعمل الدجَّالين والمشعوذين والمبطلين.

والأمر الخارق للعادة إنْ ظهَر على يد رجلٍ يدَّعي النبوَّة فهو المعجزة، وإنْ ظهر على يد رجلٍ صالح معروف به من غير أنْ يقترن بدعوى النبوَّة فهي الكرامة.

وأمَّا ما يظهَرُ من الغرائب والتخيُّلات على يد الرجل الطالح الذي لم يُعرَفْ بصلاحٍ ولا استقامةٍ، فهو دجلٌ وشعوذة وتمويه.

في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في صحيحه أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: (( ما من نبيٍّ من الأنبياء إلا وأُوتِي من الآيات ما مثله آمَن عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتِيتُه وحيًا أوْحاه الله إليَّ، فأرجو أنْ أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة ) ) [1] ، ومراد النبيِّ بما أوتيه معجزته الكبرى وهي القرآن.

وقد شاء الله - سبحانه - أنْ تكون معجزة كلِّ نبيٍّ ملائمة لما اشتهر في زمَنِه، حتى إذا ما عجز الناس جميعهم عن الإتيان بمثْلها كان ذلك أكبر شاهِدٍ على صِدق مَن ظهرتْ على يدَيْه، ولا سيَّما أنها تظهَرُ على يد مَن لم يُعرَف بالتبريز فيما اشتهر في زمنه، ألا ترى أنَّ سيِّدنا موسى - عليه السلام - لَمَّا أُرسِلَ في بيئةٍ اشتهرت بالسحر أعطاه الله بعضَ آياته مناسبةً لما اشتهر في زمنه،

(1) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن - باب كيف نزل الوحي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت