لو أنَّ الإنسان خُلِقَ عاقلًا مجرَّدًا عن الأهواء والشَّهوات لاستقامَتِ الأمور، ولصلحت الأحوال، ولأمكَنَ للبشر أنْ يعيشوا أسرةً متحابَّة متآلِفة متعاونة، ولكنَّ هذا النوع رُكِّبَ فيه إلى جانب القوَّةِ العاقلة القوَّةُ الشهوانيَّة، والقوَّة الغضبيَّة.
والقوَّة الشهوانيَّة قد تخرُج عن حدِّ الاعتدال؛ فتَحمِل صاحبها على الانهِماك في الشَّهوات، والحِرص على اكتساب الأموال من أيِّ جهةٍ كانت، وبأيَّة وسيلةٍ تيسَّرت، والإفراط في طلَب المحبوب والمرغوب فيه من غير طُرُقِه المشروعة.
وكذلك القوَّة الغضبيَّة حينما تجاوز حدَّ الاعتِدال تحمِل صاحبها على سفْك الدماء، والغدْر والظُّلم، والتفنُّن في أنواع الشرِّ والإيذاء، ولهاتين القوتَيْن - الشهوانيَّة والغضبيَّة - خطرُهما؛ لشدَّة التجاوب بينهما وبين النفس الأمَّارة بالسُّوء، وتغلُّبهما على القوَّة العاقلة في كثيرٍ من الأحيان، ومن ثَمَّ يكون اختِلاط الأفراد بعضهم ببعضٍ مَدْعاةً إلى الجور والظلم، وسفْك الدِّماء، وانتهاك الأعراض وسلْب الأموال ... إلى غير ذلك من المحظورات، إذًا فالبشر في حاجةٍ ماسَّة إلى شريعةٍ رادعةٍ زاجرة تُبيِّن الحقَّ من الباطل، والخيرَ من الشر، والهدى من الضَّلال، وتكفل لهم السَّعادة في هذه الحياة الدنيا.
هذا إلى أنَّ الإنسان بما أُوتِي من فكرٍ ونظر، وبما مُنِحَ من إلهامٍ يتوصَّل - على سبيل الإجمال - إلى أنَّ هناك حياةً أخرى وَراء هذه الحياة الدنيا، يسعَدُ فيها الإنسان أو يشقى، وأنَّ السعادة فيها أو الشقاوة مرتبطةٌ به قدَّم في دُنياه؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشر، وصدَق الحقُّ - تبارك وتعالى - حيث يقول: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] ، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] .
والإنسان بما فُطِرَ عليه من حبٍّ للمعرفة والاستِطلاع في حاجةٍ ملحَّة إلى مَن يُفصِّل له أحوالَ هذه الحياة الأخرى، والوسيلة التي تُوصِله إلى الفوز بنَعِيمها، والنَّجاة من عَذابها؛ سَواء أكانت هذه الوسيلة اعتقادات، أم عبادات، أم معاملات، أم أخلاقيَّات.
فمَن يا ترى يمكن أنْ يَفِي بحاجة البشَر إلى تحقيق السعادتَيْن: الدنيويَّة والأخرويَّة؟