كذلك مُثِّلَ له النيل والفرات قُرب سِدرة المُنتَهى فالذي رآه النبي عند السِّدرة هو صورتهما ومثالهما لا عينهما وحقيقتهما، وهذا الرأي قد أومَأ إليه بعضُ العلماء القُدامى الأجلاَّء، وهو ما أميلُ إليه وأرجِّحه، وأرى أنَّ الحديث لا ينبغي أنْ يُفسَّر إلا به، فإنَّ الله - سبحانه - قد أكثَر لنبيه في هذه الليلة من ضرْب الأمثال، وإراءته الآيات.
وقد يقول لي قائل: سلَّمنا لك ما تقول، ولكن ما السر في تمثيل هذين النهرين للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في هذه الليلة بالذات، وفي هذا المكان المبارك؟ وإليك الجواب:
إنَّ في تمثيل هذين النهرين في هذه الليلة سرًّا وأي سر، وهو ما فيه من رمزٍ وإشارة إلى أنَّ الله - سبحانه - سينجز لنبيه وعدَه، ويَفِي له بنصره، ويتمُّ عليه نعمته بأنْ يظهر دِينه على الأديان كلها، وسيفتح على أمَّته الأرض حتى تمتدَّ رُقعة الإسلام من النيل إلى الفرات، وهذا ما قد كان إذ لم يمضِ رُبع قرن بعد هذا حتى دخَل في الإسلام الأقطار من النيل إلى الفرات.
وليس من شكٍّ في أنَّ القلب الكبير وعَى كلَّ هذا وأكثر منه، وأنَّه علم ما فيه من البُشرَى له، والإيذان بأنَّ النصر مع الصبر، وأنَّ الفرج مع الكَرب {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5 - 6] .
ولعلَّك على ذُكرٍ ممَّا صوَّرْناه لك من الظُّروف والملابسات، والحالة النفسيَّة المؤلمة التي كان يُعانِيها النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قُبَيل الإسراء والمعراج بسبب وُقوف القَوْم في وجْه الدعوة الإسلاميَّة، وصدهم الناس عنها، وإيغالهم في إيذاء الرسول والصحابة.
وإذا كان الشيء بالشيء يُذكَر فمن هذا القَبيل الحديث الذي رواه مسلم في"صحيحه"عن أبي هُرَيرة أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: (( أربعةُ أنهارٍ من الجنَّة: النيل والفرات، وسيحان وجيحان"، فهو مصروفٌ عن ظاهِرِه قطعًا بقرينة الحس والمشاهدة."
والحديث خرَج مخرج التشبيه والتمثيل، وأنَّ هذه الأنهار تُشبِه أنهارَ الجنة في عُذوبتها وكثْرة خَيْراتها، ونفعها للناس، وهو تأويلٌ مقبول ومُستساغ لغةً وشرعًا.
ومَن تتبَّع كلامَ العربِ في الجاهليَّة وصدْر الإسلام يجد من أمثال ذلك الشيء الكثير، وليس من البحث العلمي ولا من الإنصاف في شيءٍ إنكارُ مثل هذين الحديثين بادي الرأي بحجَّة المخالفة للحس والمشاهدة بعد ما تبيَّن من إمكان تفسيرها تفسيرًا مُستساغًا مقبولًا فإنهما مرويَّان في أصحِّ