الكتب الحديثيَّة، ونحن لا ندَّعي العِصمة للبخاري ولا لمسلمٍ - رحمها الله - ولكنَّا نقول: إنَّ مَن اطَّلع على شرْط هذين الإمامين في الرواية مِن اشتراط العَدالة والضَّبط واتِّصال السَّنَدِ، ومعرفتهما أحوال رُواة الحديث ظاهرًا وباطنًا، وتحرِّيهما في ذلك غاية التحرِّي مع شُفوف النظر، وسَعة العلم، ودقَّة النقد - يكادُ يجزم بصحَّة ما روياه، وهذا أمرٌ يُؤمِن به مَن زاوَل كتب هؤلاء العُلَماء، وعاش معهم، وأطال صُحبتهم، وأخَذ نفسَه بما أخَذُوا به أنفسهم.
قد يقول قائل: ما السرُّ في وُجود الأنبياء الذين ذكَرَتْهم الروايات في السماوات على هذا الترتيب؟ ولِمَ اقتَصرَ على هؤلاء دُون غيرهم؟
وقد كَفانا الجواب عن هذا الإمامُ السُّهيلي فقال ما مُلخَّصه - مع التوضيح: الحِكمةُ في الاقتِصار على هؤلاء المذكورين من الأنبياء في الحديث الإشارةُ إلى ما سيَقَعُ له - صلَّى الله عليه وسلَّم - مع قومه من نظير ما وقَع لكلٍّ منهم.
فأمَّا آدم فوقَع التنبيهُ بما وقَع له من الخروج من الجنَّة إلى الأرض بما سيقَعُ للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - من الهجرة إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصَل لكلٍّ منهما من المشقَّة وكراهية فِراق ما ألفه من الوطن، ثم كان مَآلُ كلٍّ منهما أنْ يرجع إلى وطنه الذي أُخرِجَ منه مُكرَّمًا مُعزَّزًا.
وأمَّا عيسى ويحيى - عليهما السلام - فالتنبيه على ما وقَع له من أوَّل الهجرة من عَداوة اليهود وتماديهم على البغي عليه، وإرادتهم وصول السوء إليه بل وهمهم بقتله فكانت النتيجة أنْ أنجاه الله من مكرهم، ونصَرَه عليهم وردَّ كيدهم في نحورهم، كما أنجى عيسي - عليه السلام - من قبلُ منهم حينما عزَمُوا على قتْله فرفَعَه إليه وطهَّرَه من رِجسهم.
وأمَّا يوسف - عليه السلام - فقد نبَّه بما وقَع له من إخْوته وكيدهم له على ما وقَع للنبيِّ من قريش في عَداوتهم له، وإرادتهم هَلاكه، وتفنُّنهم في الكيد له، من غير أنْ يكون لذلك داعٍ، إلا أنَّ الله عصَمَه بفضلٍ منه ورحمة وكانت العاقبة لنبيِّنا كما كانت ليوسف - عليهما الصلاة والسلام.
وقد أشار النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى ذلك يومَ فتح مكة، وضربه مثلًا عاليًا في العفو حيث قال: أقول كما قال أخي يوسف: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] .