وأمَّا إدريس - عليه السلام - فقد نبَّه بوجوده في سمائه على رفيع منزِلة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عند ربِّه، وعُلوِّ شأنه، وأنَّ دِينه سيعلو ثم يعلو حتى يظهَرَ على الأديان كلِّها، كما رفَع الله نبيَّه إدريس من قبلُ مكانًا عليًّا؛ قال - سبحانه: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم: 56 - 57] .
وأمَّا هارون - عليه السلام - فقد نبَّه بوجوده في سمائه على أنَّ قومه رجعوا إلى محبَّته بعد أنْ آذوه ونالوا منه، وأصبح أثيرًا عند بني إسرائيل، وكذلك أنت يا محمد سيحبُّك قومك بعد أنْ قلوك، ويؤيِّدونك بعد أنْ عادوك.
وأمَّا موسي - عليه السلام - فقد نبَّه به على ما وقَع له من مُعالجة قومه أشد المعالجة كي يهتدوا، وإيذائهم له، وصبره على ذلك أعظمَ الصبر.
وكذلك أنت يا محمد ستجدُ في سبيل هِداية قومك عنتًا ومشقَّة، وسيُذِيقونك من صُنوف البَلاء ألوانًا، وسيُلحِقون بك من المثالب والمعايب ما أنت بريءٌ منه، وفي قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( رَحِمَ الله أخي موسى، لقد أُوذِي بأكثَر من هذا فصبر ) )ما يُشِير إلى هذا المعنى، وفي الكتاب الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الأحزاب: 69] .
وأنَّ إبراهيم - عليه السلام - فقد نبَّه بوُجوده في آخِر السماوات، واستناده إلى البيت المعمور، بما خُتِمَ له في أخِر عمره من النصر ودُخول مكَّة فاتحًا منتصرًا، مع المبالغة في تعظيم البيت ورعاية حُرمته، وما أتَمَّ الله به عليه نِعمَته من إكمال الدِّين، وإقامة مناسك الحج، وحجهم البيت الحرام لا يُشارِكهم فيه أحدٌ من المشركين، وصدَق الله حيث يقول مُخاطِبًا المسلمين في حجَّة الوداع: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3] .
ومن المناسبات اللطيفة أنْ يكون آدم أبو البشر في السماء الأولى، وإبراهيم أبو العرب وجدُّ النبي الأعلى في السماء السابعة، فبُدِئت السماوات بأبي البشر، وختمت بأبي العرب.